شهادة..
آمال شعبي بشارة..
جهد لا يكلّ حفاظا على اللغة العربية..
كتب ابن البلد الاعلامي ماجد حنا حداد:
في زمنٍ تُختصر فيه الثقافة بمنشور عابر، وتُقاس التربية بسرعة الانتشار لا بعمق الأثر، وتتحوّل اللغة العربية إلى عبءٍ ثقيل يتمنّى كثيرون التخلّص منه، تقف آمال شعبي بشارة كحقيقة جارحة: ما زال ممكنًا بناء الأجيال بعمل حقيقي، لا بخطابات جوفاء ولا بشعارات مستهلكة..
آمال، المولودة في عكّا عام 1985، والتي تربّت منذ الصف السادس في مدرسة راهبات الناصرة في حيفا، لم ترث امتيازًا ولا شهرة جاهزة؛ ورثت قناعة واحدة فقط: العلم نور، والأخلاق أساس، والطموح قيمة، والنجاح ليس ضربة حظ بل مسارا شاقا. هذه القناعة لم تبقَ شعارًا في بيتها، بل تحوّلت إلى مشروع حياة كامل..
زوجة ابن ترشيحا، المحامي المعروف سمعان بشارة، ابن مربي الاجيال ونائب مدير ثانوية ترشيحا السابق المرحوم جاسر بشارة، ومربية الاجيال ديانا بشارة، تزوجوا منذ 15 عام؛ أمّ لثلاث بنات: ديانا، كاترينا وسيلينا، لم تستخدم الأمومة ذريعة للتراجع، ولم تتخذ الانشغال العائلي حجة للغياب. بل فعلت العكس تمامًا، حوّلت التجربة الشخصية إلى مسؤولية عامة، وإلى التزام أخلاقي تجاه كل طفل يُحرم من لغة محترمة وتعليم حقيقي..
حاصلة على ماجستير في الأدب العربي من جامعة حيفا، وماجستير في تدريس اللغات من جامعة تل أبيب، لكنها لم تكتفِ بالألقاب الأكاديمية. خمسة عشر عامًا في مركز التكنولوجيا التربوية كانت امتحانًا يوميًا للضمير: خمس سنوات في كتابة وتطوير مناهج اللغة العربية كلغة أم، وعشر سنوات في إرشاد معلمي المرحلة الابتدائية في كل البلاد. في الوقت الذي اكتفى فيه كثيرون بالمناصب، كانت آمال في الميدان، تُصحّح، تُراجع، وتدافع عن العربية داخل الصفوف قبل أن تنهار خارجها..
ثم جاءت اللحظة الفاصلة، الخروج من الإطار المريح إلى المواجهة المباشرة؛ أسست دار النشر "حكايات آمال" لا لأن السوق بحاجة إلى كتب جديدة، بل لأن الطفل العربي بحاجة إلى نص يحترم عقله. ثماني قصص صدرت، وكل قصة كانت موقفًا تربويًا واضحًا: "عيد ميلادي"، و"آداب الطعام"، و"التفاحة وأمّها الشجرة"، و"دور النجمة"، و"التوأمان"، و"همسات الورود"، و"أريد أن أخبر أبي"، وصولًا إلى الإصدار المفصلي عام 2023: "إلى أين ستأخذني يا رشيد؟"
كتاب لم يُصفّق له فقط، بل دخل كل صفوف الثاني في البلاد ضمن برنامج "مكتبة الفانوس". وهنا بيت القصيد: التأثير لا يُقاس بالضجيج، بل بالوصول الحقيقي إلى الطفل..
آمال لم تكتفِ بالكتاب. نزلت إلى المدارس، قدّمت ورشات سرد قصة، محاضرات، وفعاليات لتعزيز القراءة ضمن منظومة "جيفن". وأسست مركز آمال التعليمي الإبداعي للأطفال، حيث تُدرَّس العربية كلغة أم بأسلوب التعليم المصحّح، بالألعاب والفعاليات، لا بالتخويف والعقاب. مشروع كامل، في وقت يكتفي فيه كثيرون بالشكوى من تراجع اللغة دون أن يقدّموا بديلًا واحدًا..
تشارك في ورشات كتابية، في معارض الكتب، وتنشر مقالات وتوصيات مهنية في موقعها الخاص، لأنها تؤمن أن الكاتب الذي لا يشارك معرفته يخون رسالته. واليوم تعمل على ما هو أخطر وأعمق: قصص جديدة للأطفال، رواية لليافعين، ورواية للكبار، لأن من يملك لغة حقيقية لا يخاف من تعدد الأصوات..
قريبًا، ستحمل نصّها إلى الفضاء العربي الأوسع، عبر متوالية قصصية بعنوان "روح البيت" ضمن كتاب جماعي لكاتبات من العالم العربي، صادر عن "هنّ" و"غرفة الكتابة"، بعنوان "فلنذهب معًا إلى النهر"، والمتاح في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. حضور عربي لا للتجميل، بل لإثبات أن الصوت القادم من هنا قادر على العبور..
آمال شعبي بشارة ليست حالة ناعمة..
هي إحراج صريح لكل مؤسسة ثقافية بلا أثر، ولكل مشروع تربوي بلا روح، ولكل من يتباكى على اللغة وهو أول من يهجرها..
هي فخر لأن الفخر هنا مبني على عمل، لا على ادّعاء.
وهي دليل قاطع على أن امرأة واحدة، حين تعرف ماذا تريد، تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه منظومات كاملة..
هذا ليس مديحًا..
هذا تسجيل موقف..
وهذا اسم يُكتب بوضوح: آمال شعبي بشارة.. حين تتحوّل الكلمة إلى مسؤولية، والقراءة إلى فعل مقاومة..
(نقلا عن موقع كلام)..
