{ إِلّي ببيع أرضه ببيع دِينه }}
هويّــة – حلب
أ. زياد غضبان
الجمعة 16/1/2026
بعد ترتيب موعد اللقاء مع الأستاذ رائد آغا، نجل الحاجة سهام آغا، جاءت الزيارة في إطار عمل فريق «هويّة» الهادف إلى توثيق الذاكرة الشفوية، وجمع شهادة حيّة عن أحداث النكبة في بلدة ترشيحا، عروس الجليل الأعلى.
استقبلتنا الحاجة سهام آغا بلهفةٍ صادقة تليق بأهل الكرم والجود، وقد بدت حريصة منذ اللحظة الأولى على أن يكون حديثها أمينًا للتاريخ، صادقًا في التفاصيل، بعيدًا عن المبالغة. وبعد استهلال المقابلة وشرح محاورها، جرى تدوين شجرة العائلة الكبيرة، تمهيدًا للدخول في سرد الذاكرة.
عرّفت الحاجة عن نفسها قائلة:
«أنا سهام أديب آغا، من مواليد قرية ترشيحا عام 1947، لكنني سُجِّلت في الهوية عام 1946».
وتحدّثت عن ملامح الحياة في ترشيحا قبل النكبة، فوصفت منزل العائلة بأنه بيتٌ كبير وحديث البناء، يتألف من أربع غرف، تحيط به أرض واسعة تضم إسطبلًا للحيوانات، حيث كان والدها يربّي الخيل، ويقتني كلبًا، إضافة إلى امتلاكه عدة صيد، إذ عُرف عنه أنه صيّاد بارع.
وأشارت إلى مكانة العائلة الاجتماعية، فذكرت أن من جيرانهم وأقاربهم عمّها تقي الدين، والمحامي محمود، وخالها، وجميعهم من وجهاء القرية وكبارها.
وبيّنت أن والدها كان يعمل في الزراعة، ويملك أراضيَ عديدة يزرع فيها الحمضيات والخضار والدخان، وقد سافر إلى الأرجنتين لمدة اثني عشر عامًا، ثم عاد ليكون داعمًا للثورة الفلسطينية. كما أشارت إلى أن عددًا من أقاربه كانوا من قادة الثورة، ومنهم محمد سعيد آغا، ومحمد وكمال آغا، وهم من ثوّار لبنان الذين خُلِّدت أسماؤهم في كتب التاريخ.
وصفت الحاجة أهل ترشيحا بأنهم من أكثر قرى الجليل وعيًا وثقافة، حيث كان أبناؤها يستكملون دراستهم في جامعات القدس، مؤكدةً أن أهلها عُرفوا بطيبة القلب، وإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف.
وأضافت أنها لم تتمكن من الإحاطة بكل معالم القرية نظرًا لصغر سنّها آنذاك، مفضّلة أن يبقى حديثها محصورًا بما تتيقنه وتثق بصحته التاريخية.
وفي حديثها عن الأيام الأخيرة في ترشيحا، قالت إن القوات اليهودية اقتحمت القرية وقصفتها بالطيران، واندلعت اشتباكات على عدة محاور، واستُشهد جارهم رشدي جمعة. ورغم وجود عدد من الثوار الذين كانوا يحرسون أطراف القرية، إلا أن قلة السلاح فرضت واقعًا قاسيًا.
تروي الحاجة لحظات الخروج القسري قائلة إنهم غادروا ليلًا، والبرد القارس يلفح أجسادهم، حفاةً عراة، فيما كانت الطائرات تحلّق فوقهم وتلقي قنابلها، لتختلط دماء الفلسطينيين الزكية بتراب الأرض. وتؤكد بصلابة:
«ما طلعنا جُبن… طلعنا خوفًا على أولادنا».
تابعوا المسير ليلًا، والدموع تنهمر من عيونٍ أنهكها الجوع والتعب، حتى وصلوا إلى بلدة بنت جبيل في لبنان، حيث مكثوا فترة قصيرة، قبل أن يُنقلوا في قطارات مخصّصة لنقل المواشي إلى سورية. وهناك استقر بهم المقام في مدينة حلب، وصولًا إلى مخيم النيرب، الذي كان معسكرًا فرنسيًا في ذلك الوقت، فسكنوا في مهجع من البركس رقم (11)، وذاقوا أصناف ألم اللجوء ومرارة فقدان الوطن، فيما بقيت ترشيحا تمثّل الحلم والمراد.
وفي ختام شهادتها، قالت الحاجة سهام آغا بإصرار لا يلين:
«لو أعطوني مال الدنيا ما ببيع أرضي ولا بلدي… إلّي ببيع أرضه ببيع دينه».
وأضافت بفخر واعتزاز بانتمائها:
«ما بفرّط بحبّة تراب. أهلي علّموني، وأنا علّمت أولادي، إنّو الموت أهون من نسيان الأرض».
وتختم بقولها:
«إذا تحرّرت ترشيحا برجع متل ما طلعت… حلم العودة موجود، وكلمتي كلمة: ما بساوم على حبّة تراب».
وفي نهاية المقابلة، التفّ أولادها، العم محمد والأستاذ رائد، حول الحاجة، والتُقطت صور تذكارية، حملت في تفاصيلها رائحة ترشيحا التي ما زال أهل مخيم النيرب يتغنّون بها، جيلًا بعد جيل.
