
عمان – البوصلة
في أحد بيوت العاصمة الأردنية عمّان، جلس الحاج عزات محمد هديب، ابن قرية الدوايمة المهجّرة قضاء الخليل، ليستعيد تفاصيل قريته كما لو أنه ما زال يسير في حواريها. لم يكن الحديث مجرّد استذكار شخصي، بل شهادة حية انضمت حديثاً إلى أرشيف مؤسسة هوية، التي تعمل منذ خمسة عشر عاماً على حماية الذاكرة الفلسطينية من الضياع.
خلال الجلسة، روى الحاج عزات ملامح الحياة الاجتماعية في الدوايمة قبل عام 1948، تقسيماتها السكنية، نمط بيوتها الحجرية، والعلاقات التي جمعت أهلها، قبل أن ينتقل إلى أكثر الفصول قسوة: مجزرة “طور الزاغ” التي أودت بحياة الكثيرين من أبناء القرية، وكان من بينهم والده الذي ارتقى شهيداً وهو يحاول العودة لجلب الطحين لأطفاله بعد التهجير.
لم تكتفِ مؤسسة “هوية” بتسجيل الشهادة صوتاً وصورة، بل عملت أيضاً على توثيق جزء من شجرة عائلة هديب، وإضافة صور الحاج عزات إلى بنك صور شهود النكبة، في خطوة تعكس فلسفة المؤسسة القائمة على الربط بين الإنسان، والعائلة، والمكان، والذاكرة.
خمسة عشر عاماً من بناء الذاكرة من القاعدة
قصة الحاج عزات ليست استثناءً، بل نموذجاً لآلاف القصص التي شكّلت خلال السنوات الخمس عشرة الماضية جوهر عمل مؤسسة هوية، بوصفها مؤسسة فلسطينية متخصصة في توثيق التاريخ العائلي والذاكرة الوطنية انطلاقاً من العائلات والبلدات، لا من الروايات المجردة.

شجرة العائلة: استعادة الجذور
يُعد برنامج شجرة العائلة الفلسطينية الركيزة الأساسية في عمل “هوية”، حيث تمكنت المؤسسة من توثيق 6600 شجرة عائلة فلسطينية، بالاعتماد على مقابلات مباشرة مع كبار السن، إضافة إلى الكتب، والسجلات، والمراجع والأرشيفات. هذا الجهد لا يهدف فقط إلى الحفظ، بل إلى إعادة وصل الأجيال الجديدة بأصولها وبلداتها المهجّرة.
الصورة كوثيقة تاريخية
في موازاة ذلك، نجحت المؤسسة في بناء أحد أكبر أرشيفات الصور العائلية الفلسطينية، حيث جرى جمع وأرشفة أكثر من 43,000 صورة، تشمل صور العائلات في قراها ومدنها قبل النكبة، وصوراً نادرة لشهودها، جرى تحويلها رقمياً وإتاحتها عبر المنصة الإلكترونية، بوصفها وثائق بصرية لا تقل أهمية عن النصوص المكتوبة.
الوثيقة… من الأدراج المغلقة إلى الفضاء العام

ضمن برنامج الوثائق التاريخية، نشرت “هوية” نحو 29,000 وثيقة نادرة تعود لعائلات فلسطينية وأرشيفات كانت مغلقة أو غير متاحة، وعملت على إيصال الوثائق إلى أصحابها في عشرات الحالات، في مقاربة تجمع بين الحق العام في المعرفة والحق الخاص في الملكية.
الذاكرة الشفوية: سباق مع الزمن
أدركت المؤسسة مبكراً خطورة فقدان شهود النكبة، فخصصت برنامجاً كاملاً لتوثيق شهاداتهم حصراً. حتى اليوم، جرى تسجيل أكثر من 1400 مقابلة في لبنان وسوريا والأردن، تشكّل مجتمعة أرشيفاً شفوياً بالغ الأهمية لحفظ الرواية الفلسطينية الأصلية.
على المستوى الرقمي، تجاوز عدد المشاركين في التوثيق والتفاعل مع مشاريع “هوية” عبر المنصة ووسائل التواصل الاجتماعي 50,000 مشارك، ما يعكس اتساع دائرة الثقة الشعبية بالمؤسسة وتحولها إلى مساحة جامعة للفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة.

نحو ذاكرة وطنية جامعة
في عام 2025، انضمت مؤسسة “هوية” إلى التجمع الأرشيفي لفلسطين، الذي يضم عشرات المؤسسات والشخصيات الفاعلة في مجال الأرشفة وحفظ الذاكرة الوطنية، في خطوة تؤكد انتقال المؤسسة من العمل التوثيقي الفردي إلى موقع الشريك في مشروع وطني أشمل، يهدف إلى بناء ذاكرة فلسطينية متكاملة لكل بلدة وعائلة.
من شهادة الحاج عزات هديب، إلى آلاف الشجرات والصور والوثائق، تواصل “هوية” عملها بوصفها مشروعاً معرفياً وطنياً، يراكم الذاكرة حجراً فوق حجر، في مواجهة النسيان، والتزوير، ومحاولات محو التاريخ.
(البوصلة)