
لم تكن الذاكرة الفلسطينية يومًا مجرّد حكايات تُروى، بل كانت دائمًا ساحة مواجهة مفتوحة مع مشروع استعماري سعى إلى نفي التاريخ واقتلاع الإنسان من جذوره.
وبين التهجير واللجوء وتشتّت العائلات، بقيت الذاكرة تنتقل شفهيًا من جيل إلى جيل، مهدّدة بالضياع مع رحيل شهودها، إلى أن بات توثيقها ضرورة وطنية وأخلاقية لحمايتها من النسيان والتزوير.
في هذا السياق، برزت مبادرات فلسطينية متخصصة نقلت الذاكرة من حيّز الرواية المتوارثة إلى حيّز الوثيقة التاريخية المثبتة، لتتحول العائلة الفلسطينية نفسها إلى شاهد حيّ على حقها وتاريخها.
وقال مدير مؤسسة "هوية"، ياسر قدورة، إنّ "توثيق الذاكرة الفلسطينية لم يعد عملًا أرشيفيًا أو ثقافيًا فحسب، بل بات جزءًا أساسيًا من معركة تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة محاولات الطمس والإنكار، مؤكدًا أنّ الذاكرة غير الموثّقة تبقى هشّة، بينما الذاكرة المدعومة بالشهادة والوثيقة تتحوّل إلى حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها".
وأوضح قدورة لـ"قدس برس" أنّ "مؤسسة هوية انطلقت قبل خمسة عشر عامًا من قناعة راسخة بأنّ كل عائلة فلسطينية تمتلك رواية كاملة تستحق أن تُحفظ وتُوثّق، مشيرًا إلى أنّ المؤسسة عملت على نقل الذاكرة العائلية من الحكاية الشفوية إلى الرواية المثبتة بالدليل، كما في قصة القائد المجاهد نايف عبد الرحمن مصلح، التي تحولت من شهادة عائلية متوارثة في مخيم اليرموك إلى وثيقة رسمية تعود إلى عام 1945، حين تسلّم نجله عدنان رسالة بخط يد والده موجّهة إلى المندوب السامي البريطاني للمطالبة برفع الإقامة الجبرية عنه في قرية صفورية".
وأضاف أنّ "هوية ركّزت منذ بداياتها على توثيق روايات كبار السن وشهود النكبة باعتبارهم حراس الذاكرة الأحياء، لافتًا إلى أنّ المؤسسة أجرت خلال خمسة عشر عامًا أكثر من 1400 مقابلة مسجّلة في الداخل الفلسطيني ومختلف أماكن الشتات، وأن هذه الشهادات التي كانت مهددة بالضياع تحوّلت اليوم إلى جزء أساسي من الأرشيف الفلسطيني المعاصر".
وبيّن قدورة أنّ "توثيق شجرة العائلة الفلسطينية شكّل محورًا تخصصيًا فريدًا في عمل المؤسسة، موضحًا أنّ الشجرة ليست مجرد نسب، بل سجل تاريخي واجتماعي يثبت الوجود الفلسطيني المتجذر في هذه البلاد، كاشفًا أنّ موقع "هوية" يضم أكثر من 6600 شجرة عائلة، جرى بناؤها بالاعتماد على المقابلات الميدانية والمراجع التاريخية وسجلات النفوس العثمانية، وبمشاركة مباشرة من أبناء العائلات أنفسهم، في تجربة تفاعلية شارك فيها أكثر من 50 ألف شخص".
وتابع أنّ "الصورة كانت شاهدًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن الكلمة، حيث يضم الموقع أكثر من 43 ألف صورة متعلقة بالعائلات الفلسطينية وشهود النكبة، مشيرًا إلى أنّ بعض هذه الصور أسهم في إعادة وصل عائلات فلسطينية فرّق الاحتلال واللجوء بينها لعقود".
وشدّد على أنّ "الوثيقة تبقى العنصر الحاسم في تثبيت الحق الفلسطيني، لافتًا إلى أنّ هوية جمعت ونشرت أكثر من 29 ألف وثيقة تاريخية رقمية، سواء من أصحابها أو من الأرشيفات الرسمية، ولم تكتفِ بنشرها بل حرصت على إيصالها إلى أصحابها، معتبرًا أنّ إعادة الوثيقة إلى صاحبها هي استعادة لجزء من الحق والكرامة والتاريخ".
وختم بالتأكيد على أنّ "المشروع بات اليوم جهدًا وطنيًا متكاملًا في معركة الرواية الفلسطينية، قائلاً إنّ حين تُدعَّم الذاكرة بالشهادة وتُحسم بالوثيقة، تتحول الحكاية الفلسطينية من رواية قابلة للإنكار إلى حقيقة ثابتة، ويصبح كل بيت فلسطيني شاهدًا حيًا على حقه وتاريخه وحقه في العودة".
هذا وشكّل توثيق الذاكرة الفلسطينية، منذ النكبة عام 1948، أحد ميادين الصراع الأساسية مع الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يكتفِ بالسيطرة على الأرض، بل سعى إلى محو التاريخ الفلسطيني وتزوير الرواية، عبر تدمير القرى، وتغيير الأسماء الجغرافية، والاستيلاء على الأرشيفات، ومنع تداول الوثائق والصور والشهادات التي تثبت الوجود الفلسطيني المتجذّر في هذه البلاد.
ويتوزع الفلسطينيون اليوم في واحدة من أكبر حالات الشتات القسري في العالم، حيث يعيش ملايين اللاجئين في مخيمات وتجمعات في لبنان وسوريا والأردن، إضافة إلى دول عربية وأجنبية، فيما بقي آخرون داخل فلسطين التاريخية تحت سياسات الاحتلال والتمييز.
هذا التشتت الجغرافي عمّق التحدي أمام حفظ الذاكرة الجماعية، لكنه في الوقت نفسه جعل من توثيقها جسرًا يربط الفلسطينيين بعضهم ببعض، ويعيد وصل العائلات التي فرّقتها النكبة واللجوء.
وتُعدّ معركة الذاكرة اليوم جزءًا لا يتجزأ من معركة الحقوق، إذ يسعى الاحتلال إلى تقديم روايته بوصفها "الحقيقة الوحيدة"، في مقابل جهد فلسطيني متراكم لتحويل الذاكرة من حكاية شخصية إلى حقيقة تاريخية مثبتة.