| المقال |
خالد مصطفى ترعاني: مع بدء عامي الستين.. أصحاب الفضل

مع بدء عامي الستين،
لا أشعر بالحاجة إلى الاحتفال بقدر ما أشعر بالحاجة إلى وقفة، أو ربما سجدة شكر لله على فائض كرمه وفائق فضله الذي لا يُستوفى شكرًا.
أنظر إلى عمرٍ لم يكن سلساً ولا سهلًا، لكنه كان في مجمله مليئًا بلطف الله وفضله العظيم.
وُلدتُ في عالمٍ كان مختلفًا تمامًا. لم يكن فيه إنترنت، ولا هواتف ذكية، ولا هذا الفيض من السرعة والضجيج، ثم رأيت العالم يتبدّل أمام عيني.
سقطت باقي فلسطين في يد الاحتلال، وصعدت حركة التحرير الوطني.
سقطت (أو تراجعت) القومية العربية، وصعدت الحركات الأصولية.
سقطت منظمة التحرير، وصعدت حركات مقاومة جديدة.
سقط الاتحاد السوفياتي،
وصعد الاتحاد الأوروبي، وصعد معه القطب الواحد.
سقطت القاهرة، ثم سقطت بغداد، فصعدت أبوظبي.
وتغيّرت خرائط وقناعات،
واخترقت الإنترنت البيوت والعقول، وحملنا العالم في جيوبنا دون أن ننتبه كيف غيّرنا ذلك من الداخل.
كبرتُ، وكبر معي الفقد. رحل أبي… ثم رحلت أمي.
رحل أخي الأكبر ممدوح، ثم رحلت أختي الكبرى فيروز.
رحل صديقي الأعز خالد حمدان الذي شاركني رحلة الهجرة إلى أمريكا.
واكتشفتُ أن الإنسان لا يكبر بالعمر فقط، بل بالغياب.
وأن بعض الفراغات لا تُملأ، بل نتعلّم العيش حولها.
هاجرتُ إلى أمريكا، لا بحثًا عن حلمٍ مصقول، بل عن فرصة للكرامة، ولبدايات جديدة.. تعلّمت الغربة، وتعودتها، حتى اصبحت هي بيتي وغيرها هو الغربة.
كنت أتمنى لو امتد العمر بوالدي، ولو قليلًا، لا لشيء، فقط لأطمئنه عن أصغر أولاده، وأشاركه بعض محطاتي، ولكي يلمس شيئًا مما صرتُ إليه وليرى ابنائي الذي يحمل اكبرهم اسمه…
ولكن ابن النكبة الفلسطينية، الصابر الصلب، رحل مبكرًا، وكأن في الفقد توقيتًا مناسبًا، أو كأن رحيل الأب أو الأم له زمن لا يكون فيه مبكرًا.
ويفاجئني أحيانًا، في هذا العمر، أن يبقى الحنين لأمي، وشعور الفقد مالئًا قلبي.
فتلك المرأة الاستثنائية التي ربّت عشرة أبناء وبنات في مخيمات اللجوء الفلسطيني، هي دون شك فقيدةٌ استثنائية. لم يكن الفقر عندها عجزًا، بل كان امتحانًا للصبر والذكاء. كانت سيدة التدوير الأولى قبل أن يصبح المصطلح معروفًا ورمزًا للتحضّر والحرص البيئي. فكانت عبوات زيت الزيتون من التنك تتحوّل إلى أصيص لزرع أعشاب تُداوي وتُطعم، والسترة الصوفية المهترئة التي حاكتها منذ سنين تتحوّل إلى خيوط كي تُحاك سترة جديدة. كان التعب لا ينتهي، والأمل لا ينكسر، فلم يكن عندها وقت للانكسار. ولكن كان أجمل ما فيها أنها كانت عزيزة النفس، وربّتنا على ذلك. كانت مؤمنة عابدة، كما رأيتها، في السر والعلن. أسأل الله أن يتغمّدها بواسع رحمته، وأن يجزيها عنا خير الجزاء.
أعدّ نعم الله فلا أحصيها… ومن أفضل نعم الدنيا أن أكرمني الله بزوجتي ريم،
التي وقفت بثبات لا يطلب اعترافًا، وبصبر لا يعلن نفسه. فكانت الظهر الذي اتكأت عليه دون أن أشعر بثقلي عليها. تعرف مواضع ضعفي، ولكنها اختارت الستر لا الذكر. في إنسانيتها نعمة، وفي حضورها جمال هادئ. هي من القلائل الذين يرفعون من حولهم، ويعفّون عند المغنم.
ثم رزقني الله بالذرية، نعمة لا تُختصر بالكلمات، مسؤولية قبل أن تكون فرحًا،
وأمانة قبل أن تكون امتدادًا للاسم. فالحمد لله على نعمة الذرية الصحيحة الصالحة.
أما سوريا التي ولدت ونشأت فيها، فقد حكمتها عائلة الأسد وأنا ابن أربع سنوات،
وخرجتُ إلى عامي الستين وأنا أرى هذا الحكم يسقط. ستة عقود بين الدخول والخروج. ستون عامًا علّمتني أن الطغيان قد يطول، لكنه لا يتحوّل قدرًا.
في كل هذا، لم يكن الطريق مستقيمًا، ولا كنتُ دائمًا مصيبًا، لكنني كنتُ، في أغلب اللحظات، مُحاطًا بلطفٍ لا أراه إلا بعد أن يمر.
أسأل الله، جلّ في علاه، أن يبارك لي ما تبقّى، وأن يغفر ويستر ما مضى.
|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|