
في غرفة صغيرة بإحدى بيوت عمّان، جلس الحاج عزات محمد هديب، ابن قرية "الدوايمة" المهجّرة قضاء مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، يروي حكايته كما لو أنه ما يزال يمشي في طرقات قريته. لم يكن الرجل الثمانيني يستعيد ذكرياته لنفسه، بل ليودعها في مكان آمن؛ فقد انضمت شهادته مؤخرًا إلى أرشيف مؤسسة "هوية"، التي تعمل منذ خمسة عشر عامًا على حماية الذاكرة الفلسطينية من التلاشي.
ذاكرة لا تزال تنبض
بدأ الحاج عزات حديثه من زمن ما قبل النكبة: تقسيمات "الدوايمة"، بيوتها الحجرية، علاقات أهلها، وأيامها الهادئة. ثم توقّف عند اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء: مجزرة "طور الزاغ".
هناك، فقد والده الذي استشهد وهو يحاول العودة لجلب الطحين لأطفاله بعد التهجير.
كان صوته يختنق وهو يروي، لكن ملامحه بقيت ثابتة، كمن يعرف أن ما يقوله ليس مجرد قصة شخصية، بل جزء من رواية شعب.
من الشهادة إلى الأرشيف
لم تكتفِ مؤسسة "هوية" بتسجيل شهادته صوتًا وصورة؛ فقد وثّقت جزءًا من شجرة عائلة هديب، وأدرجت صور الحاج عزات في بنك صور شهود النكبة.
هذا الربط بين "الإنسان والعائلة والمكان" هو جوهر فلسفة المؤسسة: الذاكرة ليست نصًا يُحفظ، بل حياة تُعاد وصلها.
خمسة عشر عامًا من بناء الذاكرة من القاعدة
قصة الحاج عزات واحدة من آلاف القصص التي شكّلت خلال السنوات الماضية أساس عمل "هوية"، بوصفها مؤسسة فلسطينية متخصصة في توثيق التاريخ العائلي والذاكرة الوطنية، انطلاقًا من العائلات والبلدات، لا من الروايات العامة.
شجرة العائلة… استعادة الجذور
تمكنت المؤسسة من توثيق 6 آلاف و600 شجرة عائلة فلسطينية، اعتمادًا على مقابلات مع كبار السن، إضافة إلى الكتب والسجلات والأرشيفات.
الهدف ليس الحفظ فقط، بل إعادة وصل الأجيال الجديدة ببلداتها المهجّرة.
الصورة… وثيقة لا تقل قيمة عن النص
جمعت المؤسسة أكثر من 43 ألف صورة، تشمل صورًا للعائلات في قراها قبل النكبة، وصورًا نادرة لشهودها. جرى تحويلها رقميًا وإتاحتها عبر المنصة الإلكترونية، لتصبح جزءًا من ذاكرة بصرية مشتركة.
الوثيقة… من الأدراج المغلقة إلى الفضاء العام
نشرت "هوية" نحو 29 ألف وثيقة تاريخية كانت في أرشيفات مغلقة أو غير متاحة، وأعادت بعضها إلى أصحابها، في مقاربة تجمع بين الحق العام في المعرفة والحق الخاص في الملكية.
الذاكرة الشفوية… سباق مع الزمن
سجّلت المؤسسة أكثر من 1400 مقابلة مع شهود النكبة في لبنان وسوريا والأردن، إدراكًا لخطورة فقدان الجيل الذي يحمل الرواية الأصلية.
مشاركة مجتمعية واسعة
تجاوز عدد المشاركين والمتفاعلين مع مشاريع "هوية" عبر المنصات الرقمية 50 ألف مشارك، ما يعكس تحوّل المؤسسة إلى مساحة جامعة للفلسطينيين في أماكن وجودهم كافة.
نحو ذاكرة وطنية جامعة
في عام 2025، انضمت "هوية" إلى "التجمع الأرشيفي لفلسطين"، الذي يضم مؤسسات وشخصيات فاعلة في مجال الأرشفة، في خطوة تؤكد انتقالها من العمل التوثيقي الفردي إلى شراكة في مشروع وطني أشمل لبناء ذاكرة فلسطينية متكاملة.
ذاكرة تُبنى حجرًا فوق حجر
من شهادة الحاج عزات هديب، إلى آلاف الشجرات والصور والوثائق، تواصل "هوية" عملها بوصفها مشروعًا معرفيًا وطنيًا، يواجه النسيان والتزوير ومحاولات محو التاريخ، ويعيد للذاكرة الفلسطينية صوتها الأصلي… صوت الناس.