لم تتوقف عجلة التاريخ التي قدمت مشاهد راسخة وثقت علاقة المقدسيين الحميمة بالمكان. ظل البناء والتطور الطبيعي يتواصلان، وتلك خاصية المدن العريقة التي تستلهم الإبداع التاريخي وترتقي به. حاضر القدس حتى منتصف القرن الميلادي الماضي كان مفعماً بالازدهار والرقي، فواكب البناء المعماري الحديث التراث التاريخي العريق وقدم مشهداً آخر للمدينة ألبسها فن القرن العشرين وجمال عمارته.
الدكتور صبحي غوشة تحدث في كتابه «الحياة الاجتماعية في القدس في القرن العشرين» (وزارة الثقافة الفلسطينية) عن الأماكن المقدسة، كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة وأسوار المدينة، وذهب إلى التفاصيل: «الزوايا»، كزاوية الأفغان وزاويا النقشبندية والهنود والمولوية البخارية، واستعرض «التكايا» التي أسسها العثمانيون كمكان للراحة، وتحدث عن الأسبلة والمقامات والعقبات والقناطر والمزارات وقبور السلاطين والقديسين، ووصف الأزقة والحارات والأسواق بتفاصيلها الممتعة.
وفي مجال التراث الروحي والمعنوي توقف عند الفكر (فقه، نحو، أدب) ووصف الاحتفالات والطقوس الدينية، ودقق مطولاً في مكانة الفولكلور الشعبي الذي يشمل الموسيقى والغناء والدبكات والرقص والأهازيج والأزياء والتطريز وصناعة الفخار والفنون التشكيلية والطعام. وتوقف عند ألوان من العادات والمثل والتقاليد الوثيقة الصلة بعادات الفلسطينيين القدماء وبتراث وثقافات أخرى.
وأولى غوشة أهمية خاصة لدور الثقافة والمثقفين والتربويين في بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، عندما سلط الأضواء على نهضة علمية ثقافية عاشتها مدينة القدس وفلسطين في أوائل وأواسط القرن العشرين. وتوقف أيضاً عند رموز وأعلام الثقافة في فلسطين، وعرض لكوكبة تضم: محمد إسعاف النشاشيبي، أحمد سامح الخالدي، إسكندر الخوري، بندلي الجوزي، سمية جار الله، خليل بيدس، موسى العلمي، بهجت أبو غربية، علية نسيبة، زلفي السعيد، خليل السكاكيني، الشيخ محمد صالح خليل.
وعرض كذلك لتجربة «جمعية الآداب الزاهرة» ورئيسها داود الصيداوي، إضافة إلى عيسى العيسى وجميل الخالدي. وتحدث عن الموسيقيين واصف جوهرية، وسلفادور عرنيطة، وحليم الرومي، وجميل العاص. وفي مجال المسرح: صليبا الجوزي، وعبد الحميد قطينة، وعمر البطش. ولم ينس الحكواتي، كراكوز عواظ، وفرق الجنكيات، وأعمال تمثيل السير والملاحم الشعبية، مثل: الزير سالم، وسيف ابن ذي يزن، وتغريبة بني هلال، وعنترة. وتوقف مطولاً عند مغزى الاحتفالات الشعبية السنوية بموسم النبي موسى، الذي لعب دوراً مهماً في تكوين الشعور بالانتماء لكيان فلسطيني، وفي تطوير الشخصية الوطنية وصقلها، وتكريس الرموز وتدعيم الروابط الاجتماعية أيضاً. وركز على المكتبات المقدسية التي حوت عشرات آلاف من كتب التاريخ والعلوم والطب والهندسة والأدب والشعر وعلوم اللغة وتراجم أمهات الكتب.
أما المدارس فقد لعبت دوراً مهماً في الاستنهاض الوطني وفي رفد الحركة الوطنية بالشباب والشابات. بل تحولت إلى قلاع للحركة الوطنية. يشهد على ذلك الأناشيد الوطنية والخاصة بكل مدرسة، كأناشيد: موطني، عش عزيزاً، يا شباب الوطن، نحن الشباب، اسلمي يا قدس، يا بلاد الهنا، بلاد العرب أوطاني، يا ظلام السجن خيِّم، وغيرها من الأناشيد الوطنية المحركة للوجدان الوطني.
وكانت مدينة القدس برمتها مع أماكنها الدينية المختلفة فضاء عاماً لجميع المواطنين بصرف النظر عن ديانتهم أو انتمائهم الطائفي والمذهبي. الهوية الوطنية الجامعة، والقضاء برمته كانا للجميع، إنجازان كبيران للحركة الثقافية الفلسطينية ولروادها الأوائل في بدايات القرن العشرين وأواسطه. بيد أن هذا الإنجاز تعرض للخطر، عندما اتخذت سلطة الاحتلال البريطاني قراراً يقضي بتقسيم المدينة إلى أربعة أحياء طائفية: إسلامية، مسيحية، يهودية وأرمينية، وقد نجحت سلطات الانتداب فعلاً في تقسيم الفضاءات العامة وفقاً للانتماء الطائفي، لكنها أخفقت في تحويل الهوية الوطنية الجامعة إلى هويات جزئية أو هامشية كالهوية الطائفية والعائلية، وفشلت أيضاً في استبدال الهوية الوطنية بالهوية الدينية.
والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين كانت أعمق، إلى درجة أنه من الصعب على أي مراقب معرفة من هو المسيحي ومن هو المسلم، ففي موكب عيد الفصح كان عدد المسلمين المشاركين أكثر من المسيحيين. وفي موسم النبي موسى ذي الطابع الإسلامي، يشارك المسيحيون بأعداد كبيرة. المسيحيون ناضلوا جنباً إلى جنب مع المسلمين ضد الصليبيين والعثمانيين والاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني والاحتلال الإسرائيلي. وثمة عرف يعكس مستوى الثقة بين الديانتين هو تسليم مفتاح كنيسة القيامة لعائلتين مسلمتين هما عائلة آل جودة وعائلة آل نسيبة.
كما تشكل في القدس كيان فلسطيني متنوع، استوعب مغاربة وأفارقة ويونانيين وأفغاناً وأحباشاً وأقباطاً وسرياناً وهنوداً وأرمينيين وموارنة، وحجاجاً جاؤوا من الأندلس، وأكراداً جاؤوا مع صلاح الدين الأيوبي، وشراكسة هربوا من المجازر، وآخرين جاؤوا من الولايات العثمانية، وبعثات تبشيرية وإرساليات دينية. كل هؤلاء وغيرهم جاؤوا إلى القدس ووجدوا فيها الحماية والأمن والسلام والاحترام، واندمجوا وصاروا جزءاً من الشعب الفلسطيني ومن
ثقافته المتعددة. لم تبخل هذه المدينة العريقة الخالدة على أحد. لم تميز بين ديانة وأخرى ولا بين عرق وآخر ولا بين لون وآخر ولا بين قومية وأخرى. وحدهم المحتلون والمعتدون والعنصريون أرادوا الاستحواذ على المدينة كلها، ولهذا السبب رفضتهم المدينة وقاومتهم. رفضت هؤلاء الذين فرضوا عليها علاقات كولونيالية ونظام فصل عنصري، وعرضوها للسطو والتفتيت، وحولوا حياة المقدسيين إلى جحيم الفحص العنصري وطوابير التفتيش والرقابة والحصار الخانق.
هؤلاء الذين يعملون على تفكيك الشبكة الاجتماعية، وعلى تخريب منظومة القيم، بخاصة التكافل الاجتماعي، إضافة إلى تفكيك العمل الوطني ومؤسساته داخل المدينة. هؤلاء الذين يمارسون تطهيراً عرقياً ويمارسون «سينوسايد» ضد معالم المدينة الحضارية. يحولون القدس من مدينة للسلام والتعايش إلى مدينة للحرب والكراهية والخراب.
آلاف التفاصيل المثيرة يأخذنا الكتاب من خلالها إلى نوعيات مختلفة من النخب الثقافية والاقتصادية والسياسية والدينية، وينتقل بنا من كاتب إلى سياسي ورجل دين ومن موسيقي إلى القابلة أم عارف الباسطي والقابلة اليهودية أستير، وشاعر، وفلاحة تتزين بثوب كنعاني مطرز تبيع العنب في باب العامود، ويذهب إلى عالم الأطفال وإلى عالم المقاومين. ومن عائلة إلى جذور عائلة أخرى، ولا ينسى طب الأجداد وتعويذة امرأة للرجال.
وقد ملأ غوشة المكان بالمقدسيين منذ قديم الزمان، غرف من ذاكرته ومن الذاكرة الجمعية، كتب حكاية القدس وورث أرض الحكاية، امتلك المكان الحافل بالجماليات، وجعل كل من يقرأ الحكاية يحب أرضها وناسها، ويجعل كل من يطلع على أسرار المدينة وأبنائها يفكر ملياً بعمل أي شيء في سبيل كسر القيود التي تكبل المدينة وتخنق تطورها وتذل أبناءها.
