ضمن المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
مؤسّسة “هويّة” توثّق شهادة الحاج مصباح محمد سعيد حديد من مدينة صفد
حلب – حيّ الميدان
رجلٌ حمل همّ الذاكرة معه أينما ارتحل، وتنقّل في شوارع الميدان بعد نكبته الثانية في مخيم مخيم حندرات، محتفظًا بمعلوماتٍ دقيقة عن مدينته التي لا تفارقه، يضع فيها ما تبقّى من ذكريات منزله وبلدته الأصلية.
استقبل وفد مؤسّسة “هويّة” الحاج مصباح محمد سعيد حديد في منزله الكائن في حيّ الميدان بمدينة حلب، وذلك بعد تنسيقٍ مسبق مع ابنه الأكبر محمد، المعروف بـ“أبو مصباح”، القاطن في مخيم حندرات، حيث جرى الاتفاق معه في دكّانه بشارع الجبل.
استقبلنا الحاج بابتسامةٍ دافئة وقُبلاتٍ حارّة، ولسانٍ مشتاقٍ للانطلاق في الحديث عن بلدته صفد. وبعد تدوين شجرة العائلة، بدأ اللقاء بالتعريف عن نفسه قائلًا:
“أنا مصباح محمد سعيد حديد، من مواليد عام 1937 – مدينة صفد”.
الطفولة في حارة السوق
أخذنا الحاج مصباح في رحلةٍ إلى طفولته في صفد، مستذكرًا بيته في “حارة السوق”، حيث كانت تسكن العائلة في منزلٍ يضمّ غرفتين ومطبخًا ضمن حوش العائلة، وكان بيت عمّه في الحوش ذاته، إذ كانت أغلب العائلة تقطن في الحارة نفسها.
ومن جيرانه آنذاك: سمّور، مباركة، الأسدي، الخضراء، الخرطبيل، شمّا، الخولي، الحصري، القدورة، صبح، العلّوش، والخطيب.
وكان والده يعمل حمّالًا في سوق الخضرة، فيما كان عمّه يعمل في سوق البلدة.
روى تفاصيل حارات المدينة، ولا سيما حارة السوق لقربها من سوق الخضرة المتفرّع إلى حارة اليهود وحارة الأكراد والصوّافين. وأكّد أنّ صفد مدينة استراتيجية، جميلة الهواء، وكانت جبالها تضمّ ثكناتٍ للاستعمار البريطاني، وهي قريبة من جبل كنعان.
ومن القرى المحيطة بها: عين الزيتون، الظاهرية، عكبرة، الجاعونة، سعسع، الصفصاف، الجش، والشموعية.
التعليم والمعالم الدينية
تحدّث الحاج عن مدرسة جامع الأحمر، التي تبعد نحو 500 متر عن منزله على طريق المستشفى الذي كانوا يطلقون عليه “الأسبيتار”. كما أشار إلى وجود مدرسةٍ خاصةٍ بالمسيحيين في حارة النصارى الملاصقة لحارتهم.
ومن المدرّسين الذين عاصرهم: الشيخ صلاح، ومدير المدرسة سعيد مراد. وتذكّر عنوان أحد دروس القراءة: “هل أكلتَ من كرابيج حلب؟”.
واسترسل في الحديث عن جامع السوق، حيث صلّى مع والده، وكان عمّه سعيد حديد مؤذّن المسجد. كما ذكر أولياء المدينة، ومنهم الشيخ خضر، والشيخ محمد حديد المدفون في جبل كنعان.
وتحدّث عن مطاحن وادي الطواحين، حيث كانوا يطحنون القمح يدويًا، مستعيدًا تفاصيل الحياة اليومية وعادات أهل المدينة.
العادات والتقاليد
وصف أعراس صفد، مؤكدًا أنّ لكل حمولة عاداتها الخاصة، غير أنّ التعاون واللهفة لقضاء حاجات العريس كانا يجمعان الجميع، وكانت الولائم تُشبه ولائم أهل الأردن، بالمناسف وعلى رأسها “رأس الخروف”.
ومن أبرز أكلات صفد: المفتول، كبة الدراويش، والصفيحة، ولا تزال هذه الأطباق حاضرة حتى اليوم.
أما في رمضان، فأجمل ما كان يميّزه – بحسب الحاج – اجتماع العائلة بعد صلاة التراويح، وتناول الجبَس والشمّام، وصناعة حلويات العيد، وتوزيعها صباح العيد في المقابر بعد قراءة القرآن على أرواح الأموات.
وفي اللباس، كان بعض الرجال يرتدون الشروال والقمباز، فيما كان أكثرهم يلبسون الحطّة والطربوش.
مسيرة الهجرة
بمرارةٍ وألم، استعاد الحاج أبو محمد ذاكرة الهجرة. فعندما بدأت المعارك داخل المدينة، لجأت سبع عائلات إلى بستان جدّه. وعند ورود خبر سقوط صفد واحتلال القلعة ووقوع المجازر، اضطروا إلى الرحيل مشيًا على الأقدام نحو وادي الطواحين، ثم عين التينة، فالجش.
وأشار إلى أنّ الاحتلال كان يُلقي براميل متفجّرة لترويع الناس وإجبارهم على الهجرة السريعة وترك القرى والمدن فارغة. وبعد مسيرٍ شاق، وصلوا إلى قرية الصفصاف، ثم إلى بلدة بنت جبيل في لبنان بعد عشرين يومًا من الترحال.
ومن هناك انتقلوا بالقطار إلى دمشق، ثم إلى حلب – محطة بغداد، حيث بدأت رحلة تنقّل قاسية أشبه بحياة البدو: من محطة بغداد إلى حريتان، فالليرمون، فالمحجر الصحي. وفي عام 1980 أُجبروا على الانتقال إلى مخيم حندرات.
موقف لا يتغيّر
واختتم الحاج مصباح “أبو محمد” حديثه برفض التعويض المالي عن أرضه وبيته في صفد، قائلًا:
“لا يمكن… هذا شيء من المستحيل. عندي وطنية ما بتنوصف… الأرض مثل عرض الإنسان”.
كما رفض مبدأ التوطين، مؤكدًا:
“لا أوافق… الوطن غالٍ، غالٍ، غالٍ. إذا تحرّرت منرجع أنا وعيالي… حلم العودة موجود”.
وفي ختام اللقاء، وجّه الحاج رسالة شكر لمؤسّسة “هويّة”، مثنيًا على هذه اللقاءات التي تعيد إحياء ذاكرة الأجداد وتوثّق تاريخهم النضالي للأجيال القادمة.
