هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
حلب – مخيَّم النَّيرب
الجمعة 24 نيسان / إبريل 2026
ضمن فعاليات المشروع الوطني الهادف إلى توثيق جذور العائلة الفلسطينية وحفظ الذاكرة الشفهية لجيل النكبة، تابع مندوب مؤسسة «هويّة» لقاءاته الميدانية في مخيَّم النَّيرب بمدينة حلب، حيث جرى يوم الجمعة الواقع في الرابع والعشرين من نيسان / إبريل 2026 إجراء مقابلة مع الحاج علي مصطفى كالي «أبو صطيف»، من مواليد بئر السبع عام 1945.
بعد تنسيق موعد اللقاء، استقبل الحاج أبو صطيف فريق المؤسسة بحفاوةٍ وترحيبٍ كبيرين برفقة زوجته الخالة أم صطيف، وذلك عقب عودتهما من أداء مناسك العمرة في الديار المباركة، حيث قدَّم الفريق التهاني والدعوات لهما بالقبول وحسن الطاعة.
وفي مستهلّ اللقاء، عبَّر الحاج عن سعادته باستمرار نشاطات المؤسسة ولقاءاتها المتواصلة مع أبناء جيل النكبة في المخيم، مشيداً بجهودها في توثيق مختلف القرى والمدن الفلسطينية وحفظ روايات أهلها للأجيال القادمة.
بدأت المقابلة بإعادة التعريف برسالة مؤسسة «هويّة» ومنهجيتها في توثيق جذور العائلات الفلسطينية والتأكيد على حقّها التاريخي في الأرض، ثم جرى تدوين شجرة العائلة انطلاقاً من الجد الأكبر «علي».
وبابتسامةٍ صادقةٍ وحنينٍ واضح، شرع الحاج أبو صطيف بالحديث عن مسقط رأسه قائلاً:
«أنا علي مصطفى كالي، من مواليد بئر السبع عام 1945، خرجتُ من فلسطين وعمري يقارب ثلاث سنوات».
بئر السبع كما يرويها الحاج أبو صطيف
استذكر الحاج ملامح مدينة بئر السبع، واصفاً إياها بأنها منطقة صحراوية يغلب على سكانها الطابع البدوي، وتشتهر بزراعة النباتات الصحراوية والمحاصيل الزراعية المختلفة. وأوضح أن أصول عائلته تعود إلى مدينة غزة، بينما يعود اسم العائلة «كالي» إلى الجد الأكبر الذي كان يعمل في كيّ الكِلى.
وأشار إلى أن جدّه كان يمتلك أراضي زراعية تُصدَّر منتجاتها إلى مصر عبر أهالي غزة، فيما كان والده يملك دكاناً لبيع الحبوب كالحنطة والشعير والذرة، مؤكداً أن الدكان ما يزال قائماً حتى اليوم بحسب شهادات بعض الأهالي.
كما وصف منزل العائلة بأنه بيتٌ كبير مكوَّن من اثنتي عشرة غرفة تعود للجد الأكبر، حيث كان كلّ فردٍ من أفراد العائلة يحصل على غرفة عند الزواج. واحتوى المنزل على ساحةٍ واسعة تُزرع فيها الخضروات الأساسية كالبندورة والكوسا، إضافةً إلى اسطبلٍ لتربية الأبقار والماعز.
ولم يتذكّر الحاج من جيرانه سوى عائلة «سلطان»، مشيراً إلى أن معظم أهالي المنطقة يقيمون حالياً في الأردن، كما ذكر وجود جمعية خيرية تحمل اسم «بئر السبع» هناك.
الحياة الاجتماعية والبنية العامة للمدينة
أوضح الحاج أن بئر السبع كانت تضم نحو خمسة وثلاثين منزلاً، وفيها مدارس ودوائر حكومية تعود للانتداب البريطاني. ونظراً لصغر سنّه عند الخروج من فلسطين، لم تتح له فرصة الدراسة في مدارسها، موضحاً أن غالبية الأهالي كانوا يعملون في الزراعة والأعمال الحرة.
وتحدّث عن مسجد البلدة الكبير المعروف باسم «مسجد السلطان»، والذي بُني من الحجر والطين وسُقِف بالخشب، كما استعاد ذكريات «المضافة» التي كانت تجمع أبناء البلدة لحلّ مشكلاتهم الاجتماعية بعيداً عن المحاكم والقضاة، في صورةٍ تعبّر عن الترابط الاجتماعي القوي بين الأهالي.
وأشار كذلك إلى وجود مطاحن للحبوب، حيث كان الأهالي يجلبون محاصيلهم لطحنها، موضحاً أن مياه البلدة كانت تعتمد على الآبار، وأن مناخها صحراوي شديد الحرارة صيفاً وشديد البرودة شتاءً.
وأضاف قائلاً إن مواسم الأمطار الغزيرة كانت تجعل محصول القمح وفيراً إلى درجة تكفي مختلف مناطق فلسطين. وعند سؤاله عن سبب تسمية المدينة بـ«بئر السبع»، أجاب بثقة:
«سُمّيت بهذا الاسم نسبةً إلى الآبار السبعة التي تفيض بمياه الأمطار وتروي أهالي البلدة»، نافياً الروايات الشعبية الأخرى المتداولة حول التسمية.
العادات والتقاليد في بئر السبع
استعاد الحاج أبو صطيف جانباً من العادات الاجتماعية التي كانت سائدة في بئر السبع، موضحاً أن الأعراس كانت تُقام بشكل منفصل بين الرجال والنساء، وأن «النقوط» كان يشمل المال والذبائح، فيما كانت الأفراح تستمر سبعة أيام بلياليها، تتخللها ليلة الحناء وزفّة العريس مشياً على الأقدام.
أما أشهر الأكلات الشعبية، فكانت مناسف الأرز واللحم التي تُؤكل باليد على شكل كرات، وفق العادات البدوية الأصيلة.
وفي حديثه عن شهر رمضان، وصف أجواءه الروحانية، حيث كان المسحّر يجوب شوارع البلدة مردّداً: «يا نايم وحِّد الدايم»، وكان يطمئن لاستيقاظ الأهالي عندما تضاء قناديل البيوت قبيل السحور.
كما تحدّث عن موائد الإفطار وتبادل الأطباق بين الجيران، وعن تعاون النساء في إعداد حلويات العيد، حيث كانت تجتمع كل سبع عائلات في منزلٍ واحد لصناعة الكعك بعجوة، وحلوى جوز الهند، والغريبة بفستق العبيد.
واختتم حديثه عن الموروث الشعبي بالإشارة إلى اللباس العربي التقليدي الذي اشتهر به أهالي المنطقة، والمتمثّل بالحطّة والعقال والشروال.
النكبة ومسار اللجوء
وعن أحداث النكبة، روى الحاج أن القصف المتواصل على المدينة دفع الأهالي إلى النزوح رغم رفض جدّه مغادرة البلدة في البداية. ومع اشتداد القصف، اضطرت العائلة إلى الخروج والتفرّق.
وأوضح أنه خرج مع والدته على ظهر جمل كان والده يقوده، متجهين نحو غزة ثم إلى مصر، حيث كان يقيم شقيق جدّه، وكانت المراسلات بينهم مستمرة، في دلالةٍ على الترابط الاجتماعي بين أبناء الوطن العربي آنذاك.
وأشار إلى أن العائلة أقامت لفترةٍ في منطقة «طاقوس» بالقاهرة، قبل أن تقرّر التوجّه إلى مدينة حلب، حيث وصلوا بعد رحلةٍ طويلة امتزجت بالحزن والأسى على فراق الوطن والأهل. وهناك علموا بوجود تجمّع للفلسطينيين في مخيم النيرب، فسارع والده إلى بناء منزلٍ للعائلة داخل المخيم.
حق العودة… ذاكرة لا تموت
وفي ختام المقابلة، عبّر الحاج أبو صطيف عن تمسّكه المطلق بحق العودة ورفضه القاطع لأي تعويض مادي أو بديل عن وطنه، قائلاً:
«بمال الدنيا ما ببيع ذرّة من رمال بلدي».
«ولا أبيعها مقابل أي جنسية».
«أنا فلسطيني، وسأبقى فلسطينياً، وأموت فلسطينياً».
«إذا حُرمتُ من بيتي، فليبقَ الوطن للأجيال التي بعدي».
«إذا تحررت فلسطين سأعود فوراً، فمزبلةٌ في وطني خيرٌ من أرقى مصايف العالم».
واتّسمت مقابلة الحاج أبو صطيف بخصوصيةٍ لافتة، كونها تناولت ذاكرة جنوب فلسطين وتاريخ مدينة بئر السبع، وقد أضفى أسلوبه العفوي وحنينه العميق إلى الوطن جمالاً خاصاً على تفاصيل الرواية وصدقها الإنساني.
