ضمن المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية.. "هوية" يوثّق شهادة شاهد النكبة محمد أسعد علي الخروب في مخيم عين الحلوة
صيدا – لبنان | الأحد 21 حزيران/يونيو 2026
في إطار المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية، يواصل مشروع "هوية" جهوده الرامية إلى توثيق الرواية الفلسطينية الشفوية وحفظ الذاكرة الوطنية للأجيال القادمة، من خلال تسجيل شهادات شهود النكبة وتوثيق تاريخ العائلات الفلسطينية المهجّرة.
وفي هذا السياق، التقى مندوب مشروع "هوية" في مخيم عين الحلوة بمدينة صيدا، الحاج محمد أسعد علي الخروب، أحد شهود النكبة الفلسطينية، من مواليد عام 1948، والمنحدر من قرية عرب صبيح التابعة لقضاء الناصرة، والذي يُعدّ أيضًا من مؤسسي فرقة العاشقين الفلسطينية.
واستقبل الحاج محمد وفد المشروع في منزله المتواضع داخل أزقة مخيم عين الحلوة، مرحبًا بهم ومجسدًا قيم الضيافة الفلسطينية الأصيلة. وبعد التعريف بأهداف المشروع وأهميته في حفظ تاريخ العائلات الفلسطينية وتوثيق جذورها، باشر الفريق بجمع وتوثيق شجرة عائلة الخروب، قبل الانتقال إلى تسجيل شهادته حول تاريخ قريته وتجربته مع اللجوء والتهجير.
وخلال اللقاء، استعاد الحاج محمد، نقلًا عن والديه وما سمعه من كبار السن في عائلته، تفاصيل الحياة في قرية عرب صبيح قبل النكبة، متحدثًا عن والده الذي كان يعمل راعيًا لمواشيه ولمواشي أهالي القرية، وعن طبيعة الحياة الهادئة والمستقرة التي عاشها السكان آنذاك. كما تطرق إلى دور مختار القرية والعلاقات الاجتماعية المتينة التي كانت تجمع أبناءها، مؤكدًا أن أهالي القرية كانوا كالجسد الواحد، تسود بينهم قيم التعاون والتكافل والكرم.
كما تحدث، نقلًا عن والديه، عن معالم القرية وآثارها التاريخية، مشيرًا إلى أن بعض الأهالي كانوا يعملون في التنقيب عن الآثار وبيعها في مدينتي الناصرة والقدس. واستذكر المسجد والمدرسة والعادات والتقاليد التي تميز بها أهالي القرية، ولا سيما في المناسبات الاجتماعية والأفراح الشعبية.
وروى الحاج محمد عددًا من المواقف التي ما زالت عالقة في ذاكرته العائلية، من بينها وفاة جده أثناء مشاركته في أحد الأعراس الشعبية، حيث كان يمتطي حصانه ضمن أجواء الاحتفال التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
وعن النكبة الفلسطينية عام 1948، أوضح الحاج محمد أنه هُجّر من قريته وهو طفل رضيع لم يتجاوز عمره بضعة أشهر، لينتقل مع عائلته في رحلة اللجوء الأولى التي انتهت باستقرارهم في مخيم اليرموك بسوريا.
وروى، نقلًا عن والديه، حادثة مؤثرة رافقت رحلة التهجير الأولى، حيث وصلت العائلة إلى إحدى القرى المحاذية للحدود اللبنانية بعد مغادرتها قرية عرب صبيح. وبينما كان الجميع يعيش حالة من الخوف والارتباك جراء النزوح، لاحظ والده استمرار بكاء الطفل محمد، فطلب من والدته أن تُرضعه لعلّه يهدأ. وعندما همّت بحمله، اكتشفت أنها كانت تحمل "بقجة" ظنت أنها تضم طفلها، ليتبين أنها وسادة وضعتها على عجل خلال لحظات الهروب.
وأضاف أن والده قال لوالدته حينها: "لقد نسينا محمد في البيت". فما كان منها إلا أن عادت مسرعة إلى القرية برفقة أحد الجيران، الحاج طلعت، الذي أوصلها على ظهر حصانه رغم المخاطر التي كانت تحيط بالمنطقة. وعندما وصلت إلى المنزل وجدته يبكي وحيدًا، فحملته وعادت به إلى مكان تجمع العائلة عند الحدود، حيث كان والده وإخوته بانتظارها بقلق شديد. وتبقى هذه الحادثة شاهدًا على حجم المعاناة والاضطراب الذي عاشته العائلات الفلسطينية خلال النكبة وما رافقها من مآسٍ إنسانية.
وأضاف الحاج محمد أنه بعد عقود من اللجوء في سوريا، شاءت الظروف أن يتعرض للتهجير مرة ثانية بسبب الأحداث التي شهدتها البلاد، ليغادر مخيم اليرموك متوجهًا إلى لبنان، حيث استقر في مخيم عين الحلوة بمدينة صيدا، وما زال يقيم فيه حتى اليوم.
وعند سؤاله عن حقه في العودة إلى قريته عرب صبيح، أكد الحاج محمد تمسكه المطلق بحقه التاريخي في العودة إلى فلسطين، قائلًا: "لن أرضى بأي بديل عن العودة إلى أرضي وقريتي، وأوصي أبنائي وأحفادي بالتمسك بفلسطينيتهم وهويتهم الوطنية، وعدم التنازل عن حقهم المشروع في العودة إلى فلسطين مهما طال الزمن."
وفي شهادته، استعرض الحاج محمد، استنادًا إلى ما رواه له والداه، ظروف خروج أهالي عرب صبيح من قريتهم خلال النكبة، مستذكرًا المجازر وأعمال التهجير التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، وما رافقها من عمليات أدت إلى اقتلاع السكان من أرضهم وتشريدهم في مخيمات اللجوء والشتات.
ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة اللقاءات الميدانية التي ينفذها مشروع "هوية" بهدف توثيق الذاكرة الفلسطينية الشفوية، وحفظ تاريخ العائلات والقرى الفلسطينية المهجّرة، وصون الرواية الوطنية الفلسطينية باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية وحقًا تاريخيًا تتناقله الأجيال الفلسطينية المتعاقبة.
