إليزابيث حنا موسى ناصر
على الرغم من صلابتها الشديدة، وقلبها الحديدي، إلا أنها كانت من أشد القلوب حناناً في بيت المقدس. كانت من أوائل الفلسطينيات اللواتي حصلن على الشهادة الجامعية. تصدرت إليزابيث حنا موسى ناصر القوائم في القدس، بل في فلسطين. سطع اسمها أماً ومربية في بيت المقدس، وها نحن في العدد الرابع عشر من مجلة "القدس بتجمعنا" نستذكرها لنخلد ذكراها، لعلنا نوفيها شيئاً من حقها علينا.
ولدت إليزابيث حنا موسى ناصر عام 1906 م في مدينة نابلس، فكان والدها قسيساً في الكنيسة الإنجيلية الأسقفية في نابلس، وكانت إليزابيث توأماً وأختاً لثماني إناث.
درست إليزابيث في مدرسة "سانت ماري" في مدينة القدس. وكانت الابنة الوحيدة التي أصرت على إكمال دراستها الجامعية، فدرست في الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصلت على شهادتها الجامعية في العلوم الاجتماعية والتربية عام 1933م، فكانت إليزابيث واحدة من أربع نساء فلسطينيات مقدسيات تخرجن من الجامعة في الثلاثينات من القرن الماضي.
تنقلت ناصر في العديد من المدن الفلسطينية كطبريا، والخليل، والقدس؛ لتنشر رسالتها التعليمية بين أبناء الوطن، تنقلت لتبني عقولاً وأجيالاً مناضلة حتى عام 1948م، عندما هاجرت وعائلتها من يافا إلى بيرزيت.
عُينت المربية إليزابث ناصر كعاملة اجتماعية، ومراقبة سلوك في دائرة الشؤون الاجتماعية في القدس، أثبتت للمسؤولين هناك أنها تمتاز بصلابتها الشديدة وعدم قبولها للخطأ؛ فأصبحت أول فلسطينية تشغل منصب مدير دائرة الشؤون الاجتماعية في القدس، واستمرت تخدم في منصبها هذا حتى عام 1964م عندما أحيلت للتقاعد.
في يوم ماطر من شهر شباط من عام 1952، كانت المربية ناصر تقود سيارتها فرأت فتاتين في عمر الزهور تتسولان في الشارع، أيقظ هذا الموقف قلبها الحنون وعقلها الصارم، فقررت هذه المربية والأم الصلبة أن تأخذ على عاتقها المسؤولية تجاه الفتيات الفلسطينيات من الطبقة الفقيرة وأن توفر لهن العيش الكريم دون تسول. احتوت ناصر الفتيات في دفء بيتها، وجعلت من منزلها روضة أسمتها روضة الزهور.
لم تُلزم ناصر فتياتها بدراسة المواضيع الدراسية الأساسية فقط، فعلمتهم الموسيقى والعديد من الفنون أيضاً. وفي عام 1967م قررت ناصر تعليم الفتيات المنهج الدراسي الفلسطيني، ومع مرور فترة لم تتجاوز العامين أصبحت روضة الزهور روضة مختلطة، وأصبح هذا البستان مملتئاً بالورود الملونة والجميلة باختلافها.
إحساس الأم والمربية ناصر بقسوة الواقع الفلسطيني، وكرهها للظلم، دفعاها لاتخاذ قرار بمنع ضرب أي طفل من أطفالها في بستانها.
قررت ناصر في عام 1986م أن تتقاعد عن منصبها في رئاسة جمعية روضة الزهور، إلا أنها ظلت الأم الحنون لكل طفل في جمعيتها، كما وكانت فخراً لكل من عرفها.
رحلت إليزابيث حنا موسى ناصرعن سماء فلسطين والقدس عام 1986م، تاركة أساساً متيناً لمسيرة تعليمية مشرّفة...فارقتنا ناصر، خسرنا برحيلها الكثير، ولكن ذكراها الطيبة ما زالت في قلوبنا تزرع فينا الورود وتروينا بعطائها.
منقول من صفحة مجلة القدس بتجمعنا
