الحاج المجاهد محمد عبد القادر زعرورة - أبو علي
سيرة مجاهد من صفورية إلى مخيم برج الشمالي

وُلد الحاج المجاهد محمد عبد القادر زعرورة، المعروف بـ«أبو علي»، عام 1903 في بلدة صفورية قضاء الناصرة، في لواء الجليل شمالي فلسطين، في عهد الدولة العثمانية.
نشأ في أسرة فلسطينية ريفية ارتبطت بالأرض والزراعة؛ فكان والده عبد القادر زعرورة فلاحًا يزرع أرضه ويعتني بها، وقد نشأ محمد وإخوته على حب الأرض والاعتماد على النفس والعمل في الحقول. وتلقى محمد وإخوته مبادئ القراءة والكتابة، وخصوصًا قراءة القرآن الكريم، على يد خطيب مسجد البلدة، كما كان شائعًا في قرى فلسطين في ذلك الزمن.
*في رحاب الشيخ عز الدين القسام*
في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، تعرّف محمد زعرورة إلى الشيخ المجاهد عز الدين القسام، الذي كان يخطب في جامع الاستقلال بمدينة حيفا، وذاع صيته في مختلف المدن والقرى الفلسطينية، وكان يجوب الريف الفلسطيني داعيًا إلى مقاومة الانتداب البريطاني ومواجهة المشروع الصهيوني.
وفي تلك المرحلة، بدأ الشيخ القسام في تنظيم الشباب الفلسطيني وتعبئتهم وإعداد مجموعات جهادية لمقاومة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية. وكان محمد زعرورة وشقيقه الأكبر أحمد من بين الشباب الذين انخرطوا في هذه الحركة الجهادية، وشاركوا في العمل السري ومساندة المجاهدين.
كان القسام يؤكد أن مواجهة المشروع الصهيوني لا تكون بالكلمات وحدها، بل بتنظيم الشعب وإعداده للدفاع عن أرضه، ولذلك انتشرت مجموعاته في القرى والجبال، فكانت تنفذ عملياتها ليلًا وتعود إلى الحقول وأعمالها نهارًا.
وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1935 استشهد الشيخ عز الدين القسام في أحراج يعبد قرب جنين، خلال مواجهة مسلحة مع قوات الانتداب البريطاني.
وكان لاستشهاد القسام أثر بالغ في نفوس الفلسطينيين، وأسهم في تصاعد حالة المقاومة الشعبية التي بلغت ذروتها في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، والتي استمرت لثلاث سنوات في مواجهة الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني.
*مشاركته في الثورة الفلسطينية الكبرى*
شارك الشقيقان أحمد ومحمد زعرورة في الثورة الفلسطينية الكبرى، وكان لهما دور في مقاومة قوات الانتداب البريطاني، إلى جانب مئات الشباب الفلسطينيين في قرى الجليل.
ولم يقتصر دور «أبو علي» على العمل القتالي، بل شارك أيضًا في إمداد الثوار بالسلاح والعتاد. وكان ينقل السلاح من حي الميدان في دمشق، بالتعاون مع رفاقه، إلى المجاهدين في قرى الجليل، مرورًا بالأراضي اللبنانية.
وهكذا ارتبطت حياته منذ شبابه بقضية فلسطين، وبالعمل من أجل تحريرها والدفاع عن أهلها وأرضها.
*الأسرة والحياة في صفورية*
تزوج محمد زعرورة عام 1930، ورُزق بسبعة أبناء، خمسة أبناء وبنتين:
*علي ابو حسين*
*آمنة ( ام توفيق بركة )*
*عبد الله ابو الامين*
*رقية ( ام هيثم زعرورة)*
*عمر ابو رائد*
*طه ابو محمد*
*إبراهيم ابو هشام*
وعاش في صفورية حياة الفلاح الفلسطيني الذي يجمع بين العمل في الأرض، وخدمة المجتمع، والمشاركة في مقاومة الاحتلال.
*نكبة صفورية عام 1948*
كانت نكبة فلسطين عام 1948 محطة فاصلة في حياة الحاج أبو علي وأسرته.
ففي 15 تموز/يوليو 1948، الموافق التاسع من رمضان المبارك، وصلت إلى صفورية دورية من جيش الإنقاذ العربي بقيادة ضابط عراقي يُدعى مدلول عباس، وطلبت من الثوار نزع الألغام المزروعة على طريق صفورية–شفا عمرو، بحجة أن جيش الإنقاذ يريد استخدام الطريق للعبور نحو شفا عمرو، ومنها التقدم باتجاه حيفا.
*رفض الثوار في البداية إزالة الألغام، وكان من بينهم خبير المتفجرات أبو الفضل محمود زعرورة، الذي حذّر من أن فتح الطريق قد يتيح للقوات الصهيونية التقدم بسهولة نحو صفورية.*
كما رفض قائد الثوار في البلدة، *المجاهد نمر بيك أبو النعاج،* طلب إزالة الألغام.
وبعد تدخل وجهاء البلدة وكبار العائلات، وتحت ضغط الاعتقاد بأن الطريق سيُستخدم من قبل جيش الإنقاذ لتحرير شفا عمرو وحيفا، جرى في نهاية الأمر نزع الألغام بين العصر وغروب الشمس.
وبعد أذان المغرب، ذهب الناس إلى منازلهم لتناول طعام الإفطار، واستغلّت القوات الصهيونية فتح الطريق، فتقدمت الدبابات والمجنزرات باتجاه صفورية، بينما غطت الطائرات الهجوم بالقصف الجوي.
لم يكن بحوزة المدافعين عن البلدة سوى الأسلحة الفردية، فلم تكن قادرة على مواجهة الدبابات والمجنزرات والطائرات. واندلعت معركة غير متكافئة سقط خلالها عدد من الثوار والمدنيين شهداء، واضطر أهالي صفورية إلى الانسحاب شمالًا باتجاه لبنان في 16 تموز/يوليو 1948.
وكانت تلك بداية رحلة اللجوء القسري للحاج أبو علي وعائلته، ضمن نكبة شعب فلسطين.
*من صفورية إلى مخيم برج الشمالي*
هاجر أبو علي مع عائلته من فلسطين إلى بنت جبيل في جنوب لبنان، ثم انتقلوا إلى بيروت، قبل أن يستقروا في عنجر.
*وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1955، نقلتهم السلطات اللبنانية إلى مخيم برج الشمالي في منطقة صور، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياة العائلة في مخيمات اللجوء.*
*لكن صفورية لم تغادر ذاكرة أبو علي يومًا.*
كان له في المخيم مضافة يقدم فيها القهوة العربية، ويجتمع فيها رجال الحي، وكانت فلسطين حاضرة في معظم أحاديثه. وكان كثيرًا ما يتحدث عن صفورية، وعن أيام المقاومة، وعن أسباب النكبة، وكان يحمل قناعة راسخة بأن الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني كانا وراء اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه.
وكان يردد أن الفلسطينيين تعرضوا للخيانة، وأن جيش الإنقاذ العربي لم يتمكن من حماية فلسطين وأهلها.
*الإيمان والتمسك بالهوية*
كان الحاج أبو علي من رواد مسجد مخيم برج الشمالي، وظل متمسكًا بدينه وبلدته وأرضه حتى آخر حياته.
وفي عام 1968، أدى فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، فكان الحج محطة إيمانية مهمة في حياته الطويلة.
كما كانت تربطه علاقة وثيقة بالشيخ أحمد الصديق، إمام مسجد صور القديم، وكانت بينهما زيارات ومودة، تعود جذورها إلى العلاقة القديمة بين عائلة الصديق والحركة الجهادية التي قادها الشيخ عز الدين القسام.
وكان والد الشيخ أحمد، إبراهيم الصديق، ممن ارتبطوا سرًا بالشيخ القسام، وساهموا في تأمين السلاح والمخابئ للمجاهدين، وكان أبو علي يعرفه ويذكر كيف كان المجاهدون يجدون المأوى في منزله في شفا عمرو.
*الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982*
عندما اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان عام 1982، عاد أبناء مخيم برج الشمالي إلى مواجهة الاحتلال.
وفي السادس والسابع من حزيران/يونيو، خاض أبناء المخيم مواجهات مع القوات الإسرائيلية، وتمكنوا من إلحاق خسائر بها ومنعها من دخول المخيم في البداية.
ثم شنت طائرات الاحتلال غارات عنيفة على المخيم، ووقعت مجازر وسقط عدد من الشهداء والجرحى.
وفي 8 حزيران/يونيو 1982، خرج قسم من سكان المخيم إلى مؤسسة جبل عامل في بلدة البرج الشمالي المجاورة، حيث كانت قوات الاحتلال موجودة.
أما الحاج أبو علي، فاختار البقاء في منزله، ورفض مغادرته، وبقي فيه رغم دخول قوات الاحتلال إلى المخيم وتفتيشها المنازل، ولم تتمكن الدوريات الإسرائيلية من العثور عليه.
كان ذلك الموقف امتدادًا لموقفه القديم: لا يترك بيته وأرضه مرة أخرى، حتى لو كانت الأرض التي يعيش عليها أرض اللجوء.
*«خرجت من فلسطين بسلاحي ولن أعود بتسريح من العدو»*
في عام 1983، وصل إلى الحاج أبو علي خبر من شقيقه الأصغر إبراهيم، الذي بقي في مدينة الناصرة داخل فلسطين المحتلة منذ عام 1948، يدعوه إلى زيارة فلسطين.
رفض أبو علي الفكرة، وقال عبارته التي بقيت محفورة في ذاكرة العائلة:
*«خرجت من فلسطين بسلاحي، ولن أعود بتسريح من العدو.»*
لم يكن هذا الرفض مجرد موقف شخصي؛ بل كان تعبيرًا عن رؤية جيل كامل من الفلسطينيين الذين اعتبروا العودة إلى الوطن حقًا لا يحتاج إلى إذن من المحتل.
وبعد ذلك، جاء شقيقه إبراهيم إلى لبنان، والتقى الحاج أبو علي في منزله في مخيم برج الشمالي، وكان ذلك أول لقاء يجمع الشقيقين منذ النكبة عام 1948، بعد سنوات طويلة من الفراق الذي فرضه الاحتلال والتهجير.
*الرحيل*
بعد حياة امتدت قرابة قرن، قضى خلالها سنوات شبابه في مقاومة الانتداب البريطاني، وشارك في الثورة الفلسطينية الكبرى، وعاش نكبة فلسطين واللجوء، وتمسك بحق العودة، وتابع مسيرة أبنائه وأحفاده في مخيمات الشتات، توفي الحاج المجاهد محمد عبد القادر زعرورة «أبو علي» في منزله في حي صفورية بمخيم برج الشمالي بتاريخ 14 تشرين الثاني/نوفمبر 1999، عن عمر ناهز 96 عامًا.
رحل أبو علي، لكن صفورية بقيت حاضرة في ذاكرة أبنائه وأحفاده، وبقيت قصته شاهدًا على جيل فلسطيني عاش النكبة، وحمل الوطن في قلبه، ورفض أن تتحول سنوات اللجوء إلى نسيان.
لقد كان الحاج أبو علي واحدًا من أبناء فلسطين الذين انتقلت بهم النكبة من صفورية إلى مخيمات اللجوء، دون أن تنجح في اقتلاع فلسطين من وجدانهم.
*وفي سيرته تختصر حكاية جيل فلسطيني كامل: الأرض، والمقاومة، والنكبة، واللجوء، والإيمان، والتمسك بالعودة.*
رحم الله الحاج المجاهد محمد عبد القادر زعرورة «أبو علي»، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه الله عن فلسطين وأهله وأبنائه وأحفاده خير الجزاء، وجعل ذكراه الطيبة وإرثه الوطني والإنساني باقيًا في العائلة والأجيال القادمة.
*رحم الله أبا علي، ورحم شهداء صفورية وفلسطين، وحفظ حق العودة، وأبقى فلسطين في ذاكرة أبنائها حتى العودة إليها بإذن الله.*