مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاج محمود محمد عبد الرحمن من ترشيحا: ذاكرة وطنٍ لا تقبل النسيان ولا المساومة
حلب – مخيّم النيرب | الخميس 13 آب / أغسطس 2026
ضمن المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصلت مؤسسة «هويّة» جولتها التوثيقية في مدينة حلب ومخيّماتها، بهدف حفظ شهادات أبناء القرى والمدن الفلسطينية المهجّرة، ونقل ذاكرتهم إلى الأحفاد والأبناء والأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، أجرت المؤسسة مقابلة توثيقية مع الحاج محمود محمد عبد الرحمن «أبو محمد»، من مواليد ترشيحا – قضاء عكّا عام 1945، والمقيم في مخيّم النيرب بحلب، وذلك لتوثيق شهادته عن بلدته، وعائلته، وعادات أهلها، ومسيرة اللجوء التي عاشتها أسرته إبان النكبة والتهجير.
وجرى اللقاء في منزل الحاج محمود في حيّ المارتيني بمدينة حلب، بعد التنسيق المسبق معه، وسط أجواء امتزج فيها الحنين بالذكريات، واستعاد خلالها الحاج صورًا من ترشيحا التي غادرها طفلًا ولم تغادر ذاكرته.
وفي مستهل اللقاء، قدّم فريق مؤسسة «هويّة» تعريفًا بالمؤسسة ورسالتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية وحفظ جذور العائلات وتدوين تاريخها للأبناء والأحفاد و للأجيال القادمة. كما جرى توثيق شجرة عائلة الحاج محمود، بدءًا من جدّه الأكبر محمد، والحديث عن أصول العائلة ولقبها المتوارث «حُويّه».
واستهل الحاج محمود شهادته قائلًا:
«أهلًا وسهلًا بكم في بيتكم وداركم وبيت أهلكم. أنا محمود محمد عبد الرحمن، مواليد ترشيحا – فلسطين عام 1945، خرجتُ من فلسطين وعمري ثلاث سنوات».
ترشيحا... «عروس الجليل الأعلى»
استعاد الحاج محمود تفاصيل الحياة في ترشيحا، متحدثًا عن منزل أسرته الذي كان يتكوّن من ثلاث غرف، وتحيط به حاكورة كان والده يزرع فيها مختلف أنواع الخضار التي تحتاجها الأسرة.
وكان منزل العائلة يقع في الحارة الشمالية، ومن أبرز جيرانهم عائلة أبو أحمد الترشحاني، فيما ذكر عددًا من عائلات ترشيحا، ومنها: سمارة، الحافظ، الكبّة، القاضي، الخيرات، وأبو حسان وغيرها.
كما أشار إلى وجود الزاوية الشاذلية بالقرب من منزلهم، وإلى شهرة ترشيحا بزراعة الدخان، حيث كان والده يعمل في زراعته قبل أن يتحوّل إلى زراعة الخضار، ثم ينقل محصوله بواسطة الحنتور لبيعه في مدينة حيفا، وكان يأخذ من المحصول بين فترة وأخرى إلى أخواله في حيفا وأم الفحم، مقدمًا إياه لهم هدية.
وتحدث الحاج محمود عن الحياة التعليمية في البلدة، مشيرًا إلى وجود مدارس مميزة، وأن والده درس فيها حتى الصف السادس، واصفًا مدارس ترشيحا بأنها كانت متقدمة وجميلة مقارنة بالقرى المحيطة، وهو ما أسهم في شهرتها وازدهارها حتى عُرفت بـ**«عروس الجليل الأعلى»**.
كما تطرّق إلى وجود المساجد والكنائس، مؤكدًا قوة العلاقة الأخوية التي جمعت المسلمين والمسيحيين في البلدة، من خلال المشاركة في الأفراح والأتراح وتبادل الطعام والخيرات، وكأنهم عائلة واحدة.
وأشار كذلك إلى مقام الولي جلال الدين الرومي والزاوية الشاذلية الأشطرية، باعتبارهما من المعالم التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبناء البلدة.
حكاية لقب «حُويّه»
ومن بين الروايات التي احتفظت بها ذاكرة العائلة، تحدّث الحاج محمود عن أصل لقب «حُويّه»، حيث تُروى حكاية مفادها أنه عندما أصاب القحط ترشيحا، طلب أهالي البلدة من جدّه أن يقيم صلاة الاستسقاء في ساحة القرية.
ويذكر الحاج أن جدّه صنع دائرة وصلّى في داخلها، وما إن رفع رأسه إلى السماء حتى هطل المطر بغزارة، بفضل الله تعالى، لتبقى الحكاية متوارثة في ذاكرة العائلة وأبنائها.
كما استعاد أسماء عدد من الشخصيات التي ارتبطت بترشيحا ومخيّم النيرب، ومن بينهم مختار البلدة من عائلة القاضي، والحاج رشيد شكري شريح، الذي أصبح مختارًا لمخيّم النيرب بعد اللجوء، واستمر في هذا الدور حتى وفاته.
عادات ترشيحا... تفاصيل الحياة التي بقيت في الذاكرة
وانتقل الحاج محمود في شهادته إلى الحديث عن العادات والتقاليد في ترشيحا، مشيرًا إلى أن الأعراس كانت تحمل طابعًا عائليًا وتشاركيًا، وكان الطعام يُقدّم في الطرقات للمارّة.
وتوقّف عند الكبّة الترشحاوية التي وصفها باعتزاز بأنها من أشهر مأكولات البلدة، مؤكدًا أنها لا يعلو عليها أحد.
كما تحدّث عن الدبكة الشعبية الأصيلة، وذكر من أبرز من كانوا يرأسون حلقاتها أبو محمود ربيع وأبو زكي عرار، وفي نهاية الاحتفال كان العريس يُزفّ ليلًا إلى منزله وسط أجواء الفرح.
ومن العادات التي استعادها أيضًا، عادة الاستيقاظ صباحًا وتناول الصبّار بكثرة، باعتباره من الأغذية التي تمنح أبناء البلدة النشاط طوال النهار، إلى جانب الحديث عن صناعة الحلويات، ومن أشهرها الكعك الأصفر، فضلًا عن اللباس الذي كان قريبًا من لباس أهل المدن، ومنه الطربوش.
من ترشيحا إلى مخيّم النيرب... رحلة اقتلاع ووجع
وعند الحديث عن النكبة ومسيرة اللجوء، تغيّرت نبرة الشهادة، إذ وصف الحاج محمود الهجرة بأنها «شيء يحزّ في القلب»، مستعيدًا ذكريات أليمة تناقلها عن والدته وأسرته.
وقال إن الطائرات قصفت ترشيحا قصفًا عنيفًا، فاضطر الأهالي إلى الخروج من منازلهم في ظروف قاسية، دون أن يتمكنوا من حمل الكثير من متاعهم أو حتى ارتداء الملابس المناسبة.
وبحسب ما نقله عن والدته، خرجت الأسرة بملابس خفيفة تسترهم بالكاد، ثم بدأت رحلة النزوح سيرًا على الأقدام وعلى ظهور الدواب باتجاه بنت جبيل في لبنان، فيما كان عمّه يحمله على كتفه، وصولًا إلى لبنان.
ومن هناك، نُقلت العائلات بوسائل نقل مختلفة إلى مدينة حلب، حيث انتهى بهم المطاف في مخيّم النيرب. ويتذكر الحاج محمود نزول أسرته بدايةً في خيمة، ثم انتقالها إلى المهجع رقم 24، مستعيدًا قسوة البدايات، ومرارة الفقد، والتعب، والبرد القارس، وصعوبة ظروف الحياة، قبل أن يتطور المخيّم تدريجيًا مع مرور السنوات.
«كيف أتنازل عن وطني؟»
وفي ختام اللقاء، كان لا بدّ من الوقوف عند قضية حق العودة، التي بقيت حاضرة بقوة في وجدان الحاج محمود.
وعندما سُئل عن إمكانية التنازل عن مسقط رأسه ترشيحا مقابل تعويض مالي، أجاب متنهّدًا:
«آخ... آخ! كيف أتنازل عن وطني؟ وهل أحد يتنازل عن عرضه؟ الوطن هو العرض. هل يوجد أغلى من الوطن على الإنسان؟»
وأكد أن الوطن لا يمكن استبداله أو التخلي عنه، قائلًا:
«لا يمكن الاستغناء عنه شبرًا أو سنتيمترًا».
وأضاف أن والده علّمهم منذ الصغر حب العلم وحب الوطن، قبل أن يوجّه وصيته للأجيال القادمة:
«أوصيكم: مهما بعدت الأوطان، إلا أن يأتي يوم من الأيام وسوف نرجع».
وتأتي شهادة الحاج محمود محمد عبد الرحمن لتشكّل صفحة جديدة في سجل الذاكرة الشفوية الفلسطينية، بما تحمله من تفاصيل عن ترشيحا وحياة أهلها وعاداتهم، وما رافق النكبة من اقتلاع ولجوء، وصولًا إلى التأكيد على أن الذاكرة لا تسقط بالتقادم، وأن أسماء القرى والبيوت والعائلات والتفاصيل الصغيرة ستبقى شاهدًا على وطنٍ ما زال حاضرًا في وجدان أبنائه.
وتواصل مؤسسة «هويّة» من خلال هذا المشروع الوطني توثيق شهادات أبناء فلسطين، وحفظ جذور العائلات وذاكرتها، لتبقى هذه الروايات أمانةً لدى الأجيال القادمة، وشاهدًا حيًا على الأرض والإنسان والهوية وحق العودة.
