خرجتُ من ترشيحا، ولكنّ ترشيحا خرجت معي ولم تفارقني أبداً».. مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاج محمد فارس مصطفى عن ترشيحا وحق العودة
مؤسسة #هويّة | المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصل مندوب مؤسسة «هويّة» جولته في مدينة حلب، لتوثيق شهادات أبناء القرى والمدن الفلسطينية، وحفظ ذاكرتهم وما حملوه معهم من تفاصيل الوطن ومسيرة اللجوء والتهجير.
وفي هذا السياق، أجرت المؤسسة مقابلة مع الحاج محمد فارس مصطفى «أبو علي غنام»، من مواليد ترشيحا – قضاء عكّا عام 1936، وذلك يوم الثلاثاء 11 آب/أغسطس 2026، في مدينة حلب – مخيّم النيرب.
وجاءت المقابلة لتوثيق شهادة الحاج محمد حول قريته ترشيحا، ومسيرة اللجوء التي عاشتها عائلته إبان التهجير منها، وذلك بعد تنسيق الموعد معه من قبل صهره، الصديق الدكتور محمود فاعور، خلال زيارة الحاج إلى مدينة حلب.
وأُجري اللقاء بكل شوق وحب لذكريات فلسطين، في منزل الدكتور محمود فاعور الكائن أعلى مشفى فاعور.
وفي بداية اللقاء، قدّم فريق المؤسسة تعريفًا بمؤسسة «هويّة» ورسالتها في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية وحفظ جذور العائلات الفلسطينية للأجيال القادمة، كما جرى تدوين شجرة عائلة الحاج، ابتداءً من جدّه الأكبر عبد الرحمن.
من هو الحاج محمد فارس مصطفى؟
بدأ اللقاء بتعريف الحاج محمد عن نفسه، قائلًا:
«محمد فارس أحمد مصطفى، مواليد 15/8/1936، ترشيحا – قضاء عكّا».
وأضاف:
«خرجتُ من فلسطين وعمري 12 سنة، وكنت في الصف السادس في مدرسة ترشيحا».
ترشيحا في ذاكرة الحاج محمد
استعاد الحاج محمد معالم بلدته ترشيحا، موضحًا أنها تقع مع مدينة عكّا وصفد على خط واحد، وأن بدايتها كانت من حارة البركة، نسبة إلى بركة الماء في بداية القرية، حيث كان هناك موقف للباصات تتوزع منه الطرقات للدخول إلى ترشيحا، ثم تأتي ساحة الجامع الجديد، فالزاوية الشاذلية.
وتحدث عن منزل أهله الواقع في حارة التحتا على طريق رأس العين، واصفًا الطريق بأنه جميل وشاعري، يمرّ به الناس بين كروم الزيتون.
وأوضح أن منزل العائلة كان مبنيًا من حجر الصوّان المأخوذ من جبال ترشيحا، ويتألف من ثماني غرف؛ ثلاث منها في الطابق العلوي وخمس في الطابق الأرضي، وتحيط به حاكورة كان والده يزرع فيها التين والرمان والخوخ والأراصيا والمشمش وغيرها.
وعدّد الحاج محمد حارات ترشيحا، ومنها: حارة الحمولة، والبيّاعين، والنصارى، والدكاورة، والبركة، وأخيرًا حارة الجامع الجديد.
كما استعاد بعض جيرانه، ومنهم حليمة، جدّة الحاج مفيد راغب مسعود، وغيرها.
وتحدث عن عدد من عائلات ترشيحا، ومنها: الحمولة، مصطفى، آغا، معتصم، الخطيب، البدوي، ملحم، الحفيظ وغيرها.
ووصف ترشيحا بأنها كانت ذات اكتفاء ذاتي، مشيرًا إلى حصاد القمح ومراحله، ومنها السلق والنشر، حتى يصبح برغلًا، وهو من المواد الأساسية في الطبق الترشيحاوي.
وأشار إلى أن أرض ترشيحا منحدرة، وتتجمع فيها مياه الأمطار، موضحًا أن 90% من أهلها كانوا مزارعين.
الزراعة والتبغ والفواكه
وتحدث الحاج محمد عن والده، الذي كان مالكًا لأرض في جعثون، حيث كان يبيع الخضار والدخان، مشيرًا إلى ماركة البيرجيني.
كما استعاد آخر فترة من زراعة الفواكه، متذكرًا كروم التفاح.
واسترسل في الحديث عن زراعة الدخان وطرق تنشيفه وتنقيحه وبيعه في الأسواق، موضحًا أن مهمته كانت فرز نُخب الدخان.
وبينما كان يستعرض معالم بلدته وتفاصيل حياته فيها، قال الحاج محمد كلمات بقيت تختصر عمق ارتباطه بترشيحا:
«خرجتُ من ترشيحا، ولكنّ ترشيحا خرجت معي، ولم تفارقني أبداً، أنا أتكلّم معك وأنا أمشي في حارة التحتا».
البنية التحتية والمدارس
وفي حديثه عن البنية التحتية في ترشيحا، أشار الحاج محمد إلى وجود مدرستين؛ الأولى للبنين، وكانت تقع على منحدر ولها ساحتان.
وعادت به الذاكرة إلى طقوس الاصطفاف الصباحي والتفتيش عن النظافة، موضحًا أن هذه المدرسة كانت محور مدارس القرى المحيطة بترشيحا.
وذكر من أساتذتها عبد الله عودة وعبد الحافظ كُبّة.
وخلال استعادة تلك الذكريات، راح الحاج محمد ينشد الأناشيد الصباحية التي كان يرددها التلاميذ، ومنها:
«بلادي بلادي فدائي دمي...»
و:
«نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلّدُ، نحن الشباب».
وأشار كذلك إلى المدرسة الثانية، وهي مدرسة للبنات.
المساجد والكنائس والتعايش
وتابع الحاج محمد حديثه عن ترشيحا، مشيرًا إلى وجود ثلاثة مساجد، هي: الجامع القديم، وجامع الحمولة، والجامع الجديد، الذي بُني في زمن الدولة العثمانية على طراز جامع أحمد باشا الجزّار في مدينة عكّا، وكان إمامه أحمد المصري.
كما أشار إلى وجود كنيستين للروم الأرثوذكس في حارة النصارى.
واستعاد ذكريات التعايش الجميل بين أبناء البلدة، قائلًا إنهم كانوا يذهبون للاحتفال في أعيادهم، ومنها عيد الشعانين.
ووصف التعايش السلمي الجميل بين المسلمين والمسيحيين، موضحًا أنه في حارة التحتا كانت توجد ثلاث عائلات مسيحية، ولم يكن هناك أي خلاف بينهم أبدًا.
كما تحدث عن مخاتير البلدة، فذكر شفيق قبلاوي، صديق والده، والمختار شكري القاضي، ومختار المسيحيين طوني بشارة، والمختار فهد شريح.
كما ذكر أسماء بعض الأولياء الصالحين، ومنهم المجاهد المرتكن أعلى الجبل وسيدنا الخضر.
روايات تسمية ترشيحا
وحول سبب تسمية ترشيحا بهذا الاسم، روى الحاج محمد أربع روايات:
- بسبب قطع رأس المجاهد شيحا.
- بسبب كثرة نبات الشيح.
- بسبب ترشيح المياه الساقطة من جرار المياه على رؤوس النساء.
- بسبب طيور الشيحة.
العادات والتقاليد في ترشيحا
وصف الحاج محمد ترشيحا بأنها كانت عائلة واحدة، قائلًا إن أعراسها كانت أعراس الجميع، وعزاءها عزاء الجميع.
وأوضح أن الأعراس كانت تبدأ بليلة الحنّة وتستمر لأسبوع كامل.
كما وصف التعاون واللهفة بين أبناء البلدة، وكأنهم شخص واحد.
وتابع حديثه عن الموائد الترشيحاوية، ومنها الكبّة، وعن المبارزات الشعرية التي كانت تتخللها أصوات السحجة.
وفي نهاية العرس، كانت العروس تصعد على الحصان إلى منزلها، وأمامها شخص يمسك «لوكس»، وقبل دخول العروس إلى المنزل كانت تُضرب بعجينة على الباب.
رمضان والأعياد والأكلات الشعبية
وتحدث الحاج محمد عن عادات رمضان الجميلة، حيث كان المسحراتي يدق على الطبل ويتجول في أرجاء ترشيحا، كما وصف عادة تبادل الأطباق في رمضان، موضحًا أن هذه العادة كانت متكررة في سائر أيام السنة.
أما في صباح العيد، فكانت البداية بالاستحمام، ثم ارتداء الملابس الجديدة ولبس «شالوخ» (صندل)، ثم معايدة الأقارب، وبعدها اللعب في ساحات القرية.
وذكر عددًا من أشهر الأكلات الشعبية التي اشتهر بها أهالي ترشيحا، ومنها: الكبّة، والبرغل، والمجدّرة، والمغربيّة، والملوخيّة وغيرها.
مسيرة التهجير من ترشيحا
وعن مسيرة التهجير، أكد الحاج محمد أن الترشيحاوي متمسك بأرضه كسائر الفلسطينيين، لكنه أوضح أنهم خرجوا بدافع الخوف وخيانة العرب والعالم لهم، لتطبيق وعد بلفور المشؤوم، مشيرًا إلى أنه تناول هذه المرحلة في كتابه «ذكريات عن ومن ترشيحا».
وأوضح أن ترشيحا سقطت في 28/10/1948.
وعندها خرج والده بسيارته الشحن باتجاه مخيّم برج البراجنة في لبنان، حيث استقرت العائلة هناك.
حق العودة لا يقبل المساومة
وفي حديثه عن حق العودة، وعندما سُئل عن التعويض المالي مقابل مسقط رأسه ترشيحا، أجاب الحاج محمد منتفضًا ورافضًا:
«يا ما عُرِض علينا، لم نقبل».
وأضاف:
«نحن لم نكن نعيش في فقر أو فاقة أو قساوة».
وقال:
«ترشيحا كانت جنّة الله على الأرض».
وعبّر عن أمنيته بالعودة إلى أرضه، قائلًا:
«أتمنى أن أُدفن بجوار جدّي أحمد مصطفى».
وأكد تمسّكه بالأمل بالعودة، قائلًا:
«الأمل بالله موجود، إذا تحرّرت برجع».
«ذكريات عن ومن ترشيحا»
وفي ختام المقابلة، شرح الحاج محمد كتابه الذي ألّفه وطبعه، ويحمل عنوان «ذكريات عن ومن ترشيحا»، موضحًا أن الكتاب يتضمن مجموعة من الموضوعات التي توثق جوانب من حياته وذاكرته عن بلدته، وهي:
- سيرة حياتي.
- مأساة الخروج من فلسطين.
- سيح شوشبا.
- سهل جعثون.
- أرض مطيلة.
- عين ماء الشرب في ترشيحا.
- زراعة التبغ – الدخان – في ترشيحا.
- المائدة الترشيحانية.
- ما ينبت ويعيش في البرية في ترشيحا بدون تدخل الإنسان.
- عائلتي: الحمولة في ترشيحا، عروس الجليل الغربي.
- وجيه من وجهاء ترشيحا والجليل.
- مدرسة ترشيحا الابتدائية للبنين واهتمام أهالي ترشيحا بالعلم.
- بركة ترشيحا.
- أمثال من ترشيحا.
- حكايات من ترشيحا.
- حواكير المسطاح والرغب في ترشيحا.
- صور من ألبوم حياتي.
وبعد الانتهاء من الشرح، أهدى الحاج محمد مندوب المؤسسة نسخة من كتابه، على أن يرسل نسختين إلى مؤسسة «هويّة» في صيدا عند عودته إلى مخيّم البرج في لبنان.
وتأتي هذه المقابلة ضمن الجهود المتواصلة التي تبذلها مؤسسة «هويّة» في توثيق الذاكرة الشفوية الفلسطينية، وحفظ تفاصيل القرى والمدن والعائلات والعادات والتقاليد، وتسجيل شهادات أبناء جيل النكبة، بما يضمن نقل ذاكرة الوطن إلى الأجيال القادمة، ويؤكد أن فلسطين، مهما طال زمن اللجوء، بقيت حاضرة في الذاكرة والوجدان، وأن حق العودة لا يقبل المساومة.
