المربي ريتشارد زنانيري
قامة تربوية مقدسية أصيلة، تاريخ حافل
اتحاد اولياء امور طلاب مدارس القدس
القدس بعيون رجالها ريتشارد زنانيري
هو ريتشارد قلب القدس، كالأسد حاملاً هَمّها وهِمّة أشبالها، هو ثلاثة من ثلاثة مجتمعة وثلاثة لا يُعرفون إلّا في ثلاثة: الشجاع في الحرب، الكريم في الحاجة والحليم عند الغضب. هو مُربي الاجيال وقدوتها في فن الدفاع عن الوطن وفي حمل راية العلم والثقافة والسياسة والانسانية. هو الاستاذ ريتشارد ميشيل زنانيري.
ولد في عمان، نشأ وترعرع بين احضان القدس وعبق مساجدها وكنائسها....
عاش طفولته في حي وادي الجوز في القدس لأسرة متواضعة، قسى عليها الزمن عندما توفي والده في يوم عيد ميلاده الثالث وهو في ريعان الشباب، لم يعرفه الا من بضعة صور، ومن بعدها دأبت والدته تعمل ليلا نهارا من أجل توفير لقمة العيش والتعليم له ولاخوته، ومن حينها أدرك ريتشارد أن الظروف الصعبة تولد الرجال الرجال.
يقول ريتشارد: خلال طفولتي تأثرت كثيرا بالعادات الجميلة التي كانت تقوم بها والدتي مع الجيران في المناسبات الدينية الاسلامية والمسيحية، حيث شعرت اننا نعيش أسرة واحدة، وهذا ما بدأنا نفقده اليوم، فكنا نجتمع حول مائدة الافطار في رمضان مع الجيران ويتجمعون معنا في عيد الميلاد والفصح. فعرفنا القطايف والخروب والتمر والكعك والمعمول والبيض وغيرها.
تعرض وهو في الصف الحادي عشر الى الاعتقال الاول والذي استمر اكثر من اسبوعين لحقه اعتقال آخر في صف التوجيهي لاكثر من خمسة عشر يوما قضاهم في المكان المعروف آنذاك "بالبصة" مقر الحكم العسكري الاسرائيلي. التحق بجامعة بيت لحم لدراسة الفندقة ثم تحول الى كلية التربية، حتى اعتقل في اول يوم من عيد الفصح المجيد عام 1982 في المسكوبية وسجن الرملة بسبب اقتحام المستوطن "غوتمان" باحات المسجد الاقصى المبارك بتاريخ 11/4/1982م، ومشاركته في الدفاع عنه ليكون المسيحي الوحيد الذي يعتقل في هذه الاحداث.
يصف ريتشارد اشُهر اعتقاله مستذكرا أجمل ذكرى له في معتقل المسكوبية قبيل محاكمته وانتقاله الى سجن الرملة والتي كانت تهريب كعك ومعمول عيد الفصح من قبل الاسرى معه في غرفة رقم خمسة في المسكوبية.
بدأ حياته التعليمية في رام الله مسؤولا عن البيت الداخلي للمدرسة الانجيلية، علّم التربية الرياضية عام 1982، بعدها انتقل للتعليم في مدرسة الفرير في بيت حنينا والباب الجديد وأمضى فيها واحدا وعشرين عاما كمدرس للتربية الرياضية، اللغة العربية، الاجتماعيات والعلوم، أشرف خلالها على اقامة العديد من المخيمات الصيفية ومهرجانات الرياضة وتدريب الفرق الرياضية.
في عام 2002 انتقل الى مدرسة المطران في القدس حتى عام 2012، الى ان تم تعيينه من قبل بطريركية الروم الارثوذكس مديرا لمدرسة سانت جورج الثانوية في رام الله حتى العام 2018 – 2019 استطاع خلالها بدعم ومباركة من البطريركية والادارة وأسرة المدرسة ان يجعل المدرسة نجما ساطعا ومدرسة منافسة من مدارس محافظتي رام الله والبيرة.
وفي هذا العام 2019/2020م تم تعيينه مديرا لمدرسة المطران العريقة في القدس ليعود في عامه الثامن والثلاثين من التعليم الى احضان القدس وأحضان اسرته والى مدرسة بحجم القدس التي تحكي حجارتها حكايا القدس بمسلميها ومسيحييها، هذه المدرسة العريقة التي تأسست عام 1899م وخرّجت جحافل من الشباب على مرّ السنين.
عن مدرسة المطران يقول ريتشارد: استلمت المدرسة وأنا اعرف التحديات التي تنتظرني انا وطاقم المدرسة، حيث تعرّضت المدرسة الى بعض الغيوم السوداء خلال السنوات الاخيرة لأسباب متعددة أدت الى تراجع سمعتها قليلا رغم ان مدرسة المطران لا تحتاج الى شخص مثل ريتشارد زنانيري ليحفر اسمها لان اسمها محفور في القدس والوطن منذ عشرات السنين، وهناك العديد من المؤسسات تتعرض لمثل هذه الغيوم ولكني أعتبر ان موضوع مدرسة المطران كان مبالغا في وصفه، ولكنني سأعمل مع طاقمي جاهدين من اجل إعادة سمعتها وهيبتها وثقافتها ونتائجها المتميزة مبتعدين عن ثقافة العشائرية والمحسوبية والتي كانت أحد أسباب زعزعتها، وسنعمل بكل إصرار وعزيمة من أجل تصويب ثقافة طلبتنا ليتمسكوا بالقيم والعادات الجيدة والاخلاق، ومن أجل تحقيق ذلك وضعنا استراتيجية لتوفير بيئة داعمة تستطيع النهوض بإبن مدرسة المطران ابن القدس حيث نسعى ان تكون هوية المدرسة هوية وطنية مقدسية، تربوية، ثقافية، علمية، رياضية، وفنية مبنية على قبول الآخر والتعددية، لاننا لا نرمي شبابنا الى التهلكة ولكننا نحضرهم للجامعات والكليات من اجل مستقبلهم.
وعن القدس يقول ريتشارد: عند الحديث عن القدس ينتابني شعوريين غريبين؛ الشعور الاول وجداني وعاطفي بامتياز وهو تعلقي اللامحدود بالقدس وأزقتها وقبابها وشوارعها العتيقة وسورها وأحيائها وضواحيها ورائحة بخورها وكنائسها ومساجدها وبلدتها القديمة وأسواقها وأصوات الباعة. والشعور الثاني حزن وغصة وألم الى ما وصلت اليه القدس وأهلها والتغييرات التي طرأت عليها. رغم معرفتنا بسياسة ونوايا الاحتلال لتهويد القدس ببشرها وحجرها ومحاولة السيطرة عليها ومعرفتي بأهلها الصامدين عمالقة الصبر والقوة والعنفوان، إلا أنني ما زلت من عشاق الزمن الجميل في القدس، الزمن الذي كانت فيه الحياة والناس أبسط وكانت المحبة هي التي تجمعنا وليس المال او النواحي المادية، كنا ننتظر مناسبة لنلتقي فيها بعيدا عن ضوضاء الفيسبوك وهواتف اليوم، كانت الاحاديث كثيرة وطويلة وممتعة فيها الود والاحترام والمحبة، كانت الافعال والعمل هي التي تصنع الرجال وليس صور الفيسبوك وصور "سيلفي والاسير والشهيد خلفي" لأنه وللأسف هناك من يستغل اسم القدس لتكون سلما للصعود عليه من أجل الوصول إلى المناصب والكراسي والتي مزقت القدس والوطن، لأننا نريد من جيل اليوم أن يتسلحوا بالوحدة الحقيقية واحترام الآخر، كانت القيم والعادات والاخلاق الحميدة هي بوصلة العلاقات بين الناس وإن كان يحدث تارة مشاكل وخلافات ولكن ليس مثل اليوم حيث تسيطر القبلية والهمجية والعشائرية والبلطجة في كثير من الاحيان وتنتشر بسرعة البرق، ولكننا ما زلنا وسنبقى نزرع الأمل رغم الألم ولن نفقد الأمل خاصة وأن العديد من شباب القدس سطروا ملاحم صمود وتصدي وعنفوان.
ويضيف: أوضاع القدس الاقتصادية والاجتماعية صعبة للغاية وتتفاقم يوما بعد يوم وهذه كلها تنعكس على حياتنا اليومية، وأنا دائم الخوف على شبابنا من الضياع نتيجة كثرة الفراغ وغياب الاندية والمؤسسات التي ترعى وتستوعب الشباب، ونحن نعلم أن مجتمعنا الفلسطيني هو مجتمع فتي ولذلك علينا توفير أندية ومؤسسات لملء فراغ شبابنا وتوجيههم بالرياضة والفن والثقافة لخلق قيادة شابة حتى لا يكون الشارع هو البديل وتزداد آفاتنا من المخدرات والعمالة والزعرنة وأعمال السوء.
أنا من عشاق الماضي، من عشاق جمعية الشبان المسيحية والتي كانت تجمع كل أطياف الوطن الجريح، أنا من عشاق البائعين القدامى والذين أفتقدهم هذه الايام افتقد صوتهم وحضورهم مثل (التمرية، والبرازق، والهريسة، والسمسمية، والمهلبية، وفستق سلمى، والخروب، والسوس واكواز الذرة، وسينما القدس والحمراء والنزهة وبيت الشرق)، عشت لاعب كرة قدم في الشوارع والوديان حتى تتطورنا وأصبحنا نلعب في ملعب دار الاولاد ثم جمعية الشبان المسيحية ونادي الخريجين. انا من عشاق لعبة (سبع جلود وحجار، ولعبة العصي (طقة وأجري) وطائرات الورق، وكرة القدم (جواني وبراني) والدراجة المصنوعة من عجل "البيلياء" او الدراجة التي كانت فراملها من اطارات السيارات وقطعة الفورمايكا التي كنا نجلس عليها لننزلق ونتسحسل وفي كثير من الاحيان كانت تنتهي المغامرة بكسر اليد او القدم.
كما يقول مرسيل خليفة أحّن الى خبز أمي يقول ريتشارد: وانا سأبقى أقول أحّن الى أيام القدس الجميلة، أيام الزمن الجميل وعندما أزور البلدة القديمة وأزور والدتي الحنونة في بيتنا الكائن في وادي الجوز أحّن الى كل لحظة من لحظات الماضي!!!
أحبك وأعشقك وأعشق هواك وترابك يا قدس وسأبقى أحب أهلك....
يا رب السلام أمطر علينا السلام، يا رب السلام أمنح قدسنا وفلسطيننا السلام العادل....
منقول من صفحة مجلة القدس بتجمعنا
