الشاعر عدنان الدربي… ذاكرة ترشيحا التي قاومت التهجير
حلب – مخيم النيرب | هوية
في لقاءٍ توثيقي مع مؤسسة «هوية»، استعاد الشاعر الفلسطيني عدنان أسعد الدربي ملامح مسقط رأسه ترشيحا، والذاكرة الفلسطينية التي لم تنقطع رغم قسوة التهجير وطول المنافي.
وُلد الدربي في ترشيحا عام 1946، وعاش طفولة مبكرة في قريةٍ زراعيةٍ متماسكة، عُرفت بتكافل أهلها وتنوّعها الاجتماعي. غير أن هذه الحياة سرعان ما انقطعت مع تصاعد القصف الجوي الذي طال القرية، ما دفع الأهالي إلى النزوح القسري بعد أن أصبح البقاء مستحيلًا.
بدأت رحلة التهجير ليلًا، سيرًا على الأقدام، في ظروفٍ شديدة القسوة، حيث اضطرت العائلات إلى مغادرة منازلها على عجل، دون زادٍ كافٍ أو وجهةٍ واضحة، تاركين خلفهم الأرض والممتلكات وذاكرة المكان. قطعوا الطرق الزراعية والحدودية في فصلٍ بارد، وسط خوفٍ دائم من القصف والملاحقة.
توجّهت العائلة بدايةً إلى القرى الحدودية، ثم عبرت إلى لبنان حيث أقامت أيامًا في ظروفٍ مؤقتة، قبل أن تتابع رحلتها الشاقة نحو الداخل السوري. تنقّلوا بين عدة مدن، واستقروا مؤقتًا في أماكن غير مهيّأة للسكن، من ثكنات عسكرية إلى مرافق صحية مهجورة، في ظل نقصٍ حاد في الغذاء والدفء والرعاية.
وعاش الدربي هذه التجربة في عمرٍ مبكر، فوعى على الجوع والبرد والتشرّد، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في وعيه الإنساني والوطني. ولم يكن التهجير انتقالًا مكانيًا فحسب، بل انقطاعًا قسريًا عن الأمان، وعن نمط حياةٍ كامل، وعن مجتمعٍ كان يشكّل امتداد الأسرة الواحدة.
سؤال عن العودة
وفي سياق الحديث، طُرح على الشاعر سؤالٌ مباشر حول العودة إلى ترشيحا، وإمكانية التنازل عن هذا الحق في ظل المتغيرات السياسية وطول سنوات اللجوء، فكان جوابه حاسمًا، مؤكدًا أن العودة حق ثابت لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن استبداله بأي تعويض أو تسوية، وأن التمسك بالأرض والهوية هو جوهر الوجود الفلسطيني، وواجب أخلاقي تجاه الأجيال القادمة.
وأشار إلى أن الأمل بالعودة لم يفارقه يومًا، معتبرًا أن الذاكرة الحيّة ونقل الرواية هما شكل من أشكال المقاومة، وأن الحفاظ على الحق يبدأ بالحفاظ على القصة.
وفي مسيرته الإبداعية، عبّر الدربي عن هذه القناعات في قصائده ومؤلفاته، التي تناولت معاناة التهجير وصمود الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، مؤكدًا أن الكلمة كانت ولا تزال أداته لحفظ الذاكرة، وتوريثها للأبناء والأحفاد.

...........................................................................................................................................