في ضيافة الحاجة زكيّة رشدي السَّعدي ترشيحا… قريةٌ لا تغيب عن الذاكرة
حلب – مخيّم النَّيرب هَويَّة | أ. زياد غضبان
حلّ فريق مؤسسة هَويَّة ضيفًا على الحاجة زكيّة رشدي السَّعدي (مواليد 1942)، الملقّبة بـ "أم نجيب الدّربي"، وهي شقيقة الحاجة رشديّة السعدي التي كانت المؤسسة قد أجرت معها مقابلة موثّقة سابقًا. وتُعدّ الحاجة زكيّة إحدى بنات قرية ترشيحا المهجّرة – قضاء عكّا،
حيث قدّمت شهادة حيّة وموثّقة عن ملامح الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية في قريتها قبل نكبة عام 1948، مستعيدةً تفاصيل المكان والناس والعادات التي شكّلت هوية القرية وأهلها. استهلّت الحاجة شهادتها بالتعريف عن نفسها قائلة:
«اسمي زكيّة رشدي جمعة السَّعدي، من مواليد عام 1942 في ترشيحا». وقدّمت وصفًا دقيقًا لأحياء القرية، مشيرةً إلى كِبَر مساحات البيوت وتنوّع حاراتها، ومنها حارة المجاهد حيث كان يسكن خالها الحاج رشيد شريح، وحارة النصارى حيث سكن جدّها، إضافة إلى حارة البركة. وأوضحت أن والدها كان يعمل في الزراعة، يزرع الباذنجان والكوسا، كما كان يجلب البضائع من قرية بنت جبيل لبيعها في ترشيحا. وتحدّثت عن بيت العائلة، الذي كان يتكوّن من غرفة كبيرة وسقيفة وساحة مفروشة بالبلاط الصخري، وقد بُني من الطين ومدعّم بالأعمدة، وفيه إسطبل لتربية حصان كان والدها يمتطيه في تنقّلاته. وذكرت حادثة سقوط خالها عن الحصان وإصابته، الأمر الذي دفع الأسرة لاحقًا إلى ترك المنزل.
وفي استعادةٍ دافئة للذاكرة، وصفت الحاجة ترشيحا بأنها «حلوة»، متحدثةً عن طريقها إلى بيت جدّها في حارة النصارى، والأشجار التي كانت تصطفّ على جانبي الطريق. كما تذكّرت بساتين خالها في حارة المجاهد، بما ضمّته من أشجار التفاح والبرتقال والتين والخوخ والجرنك. ومن أكثر الذكريات تأثيرًا، حديثها عن ليالي السَّمر على أسطح البيوت، حيث كانت تنام تحت نجوم السماء المتلألئة، والهواء يحمل روحها إلى قرى فلسطين، في مشهدٍ تختلط فيه الطفولة بالمكان والانتماء. وعلى الصعيد التعليمي، أشارت إلى المدرسة التي درست فيها شقيقتها الحاجة رشديّة، موضحةً أنها لم تلتحق بها. كما تحدّثت عن المسجد الكبير الذي صُلِّي فيه على جنازة والدها الشهيد، وذكرت المضافة الواقعة في وسط القرية،
والتي كان يديرها مختارها الفهد شريح، إضافة إلى مقام الشيخ خضر المبني على سفح الجبل، ومغارات القرية، ومطحنة القمح التي كان يملكها خالها رشيد شكري شريح، مؤكّدةً على مكانة الزيتون البلدي وما يمثّله من خير وبركة لأهالي ترشيحا. كما عدّدت العائلات التي سكنت القرية، ومنها: الدّربي، شريح، الشحرور، سمارة وغيرها، وأوضحت صلة القرابة التي تربطها بالحاجة عائشة حيدر، التي كانت المؤسسة قد وثّقت شهادتها في وقتٍ سابق، وذلك من جهة جدّتها. وعلى الصعيد الاجتماعي، أكّدت الحاجة زكيّة أن ترشيحا تميّزت بأعراسها الشعبية، بزفّاتها ودبكاتها وموائدها، وبمشاركة جماعية من أبناء القرية،
إضافة إلى روح التكافل والتضامن، لا سيما في شهر رمضان، حيث كان تبادل الأطباق قبل الإفطار تقليدًا راسخًا، وخصوصًا الكبّة الترشحاويّة. أما في الأعياد، فقد وصفت طقوس صناعة الكعك، ولا سيما الكعك الأصفر،
وزيارات العائلة لخالها وجدّها صباح العيد. وعند حديثها عن أحداث التهجير، روت الحاجة زكيّة تفاصيل مؤلمة من الأيام الأخيرة قبل الرحيل، مشيرةً إلى أنهم غادروا القرية قبل نحو عشرين يومًا من سقوطها. واستحضرت مشهد استشهاد والدها، وقد غلبها التأثر وذرفت الدموع وهي تستذكر لحظات الوداع، داعيةً له بالرحمة والمغفرة. وأوضحت أنه، ومع اشتداد الحصار، خرج الأهالي بملابسهم فقط، وسلكوا طريق بنت جبيل وصولًا إلى منطقة صور في لبنان،
حيث مكثوا لدى خالها الأكبر، قبل أن ينتقلوا لاحقًا إلى سورية عبر القطارات. وهناك بدأت فصول أخرى من معاناة اللجوء، من الجوع والبرد، وقلّة الدواء والماء، وضعف الاهتمام. واختتمت الحاجة زكيّة شهادتها بالتأكيد على عمق ارتباطها بقريتها، قائلة: «بلدي أبدى من المصاري… هاي بلدي وطني، في حدا بيتخلّى عن وطنه؟»
وأضافت: «هلأ إذا بقولولي ارجعي، برجع… لا ما ببيعها، وما بترك ترشيحا أبدًا. مع إنّ عمري فوق الثمانين سنة، بس حلم العودة لسه موجود». وتأتي هذه الشهادة ضمن جهود مؤسسة هَويَّة في توثيق الرواية الشفوية الفلسطينية، وصون الذاكرة الجماعية للقرى المهجّرة، تأكيدًا على حق العودة وحفاظًا على الهوية الوطنية.
