{ الأرضُ معادلةُ الرّوح }}
“هويّة” توثّق الذاكرة الشفهية لشاهدة النكبة
الحاجة هدايا محمّد السَّعيد
من قرية ترشيحا – قضاء عكّا
سورية – حلب
هـويّــة | مخيّم النَّيرب
أ. زياد غضبان
الأحد 25 كانون الثاني 2026
في منزلٍ متواضعٍ على أطراف مخيّم النَّيرب، منزلٍ تتداخل فيه تفاصيل الحاضر مع نبض الذاكرة الفلسطينية، وثّق فريق مؤسّسة هويّة، يوم الأحد 25 كانون الثاني 2026، الشهادة الشفهية للحاجة هدايا محمّد السَّعيد، شاهدة النكبة، المولودة عام 1941 في قرية ترشيحا – قضاء عكّا، والمقيمة حاليًا في مخيّم النَّيرب – خلف مجوهرات الخلايلي.
جاءت الزيارة بعد تنسيقٍ مسبق مع الحاجة سهام آغا، التي سبق للفريق أن أجرى معها مقابلة توثيقية. وقد استقبلت الحاجة هدايا الفريق بترحابٍ دافئ، يشبه دفء القرى الفلسطينية، وبحفاوةٍ تنبئ عن شوقٍ قديم للحديث عن ترشيحا وأهلها. استُهلّ اللقاء بجلسة تعارف ودردشةٍ ودّية حول العائلة والأصول، جرى خلالها تدوين شجرة العائلة، حيث عاد اسم آغا يتردّد كأنه لم يغِب يومًا عن الذاكرة.
بعد ذلك، بدأ الفريق بتسجيل شهادتها حول الحياة في فلسطين قبل النكبة. وقد استحضرت الحاجة هدايا ذاكرتها قائلة:
«أنا هدايا محمّد علي السَّعيد (آغا)، مواليد ترشيحا – 1941»، مستعيدةً تفاصيل طفولتها، إذ خرجت من قريتها وهي في السابعة من عمرها.
وصفت بيت العائلة بأنه مؤلّف من طابقين؛ السفلي إسطبل للحيوانات، والعلوي للسكن، ويضم أربع غرف ذات فرشٍ جيّد، تحيط به ساحة دار واسعة كان والدها يزرع فيها التفاح والبرتقال والليمون والجرنك والزيتون والتين الشماطي المميّز والنادر في فلسطين. وفي الإسطبل كانت ترقد الأبقار والغنم والمُهرة الأصيلة.
وتحدّثت عن حارتها، حارة الأغوات، حيث يسكن أعمامها من عائلة آغا: (تقي الدين، صلاح، محمد، محمود، أحمد، مصطفى، فتح الله، أديب)، وذكرت حارة البركة التي كانت نقطة انطلاق السيارات والبولمانات إلى عكّا وحيفا وصفد، إضافة إلى الحمائل والعائلات في القرية مثل: (القاضي، السَّرحان، الجِشّة). كما أشارت إلى زعيم القرية عمّها أبو السَّعيد آغا، وإلى والدها الذي كان يزرع الدخان في أرضه بمشاركة والدتها، وهما يمتطيان حصانهما الأصيلة «نجمة».
وعن البُنى التحتية، أوضحت أن ترشيحا كانت تضم مدارس فخمة ملاصقة لمنزل عمّها تقي الدين، غير أنّ صغر سنّها آنذاك جعل تعليمها يقتصر على البستان (الروضة). كما تحدّثت عن مساجد القرية، ومنها مسجد الحمولة المعروف بـ«المسكون بالجن»، حيث كان يُدرّس فيه الأستاذ المشهور أبو عبد الكُبَّة، وذكرت من أوليائها المجاهد سبلان.
أما عن تسمية ترشيحا، فأشارت إلى روايةٍ متداولة مفادها أنّ خوري قرية معاليا المسيحية كان يمتلك حمامةً يُحبّها اسمها «شيحا»، طارت يومًا وحطّت في أرضٍ خاوية، فحزن عليها وقرّر تسمية تلك الأرض طارشيحا. واسترسلت بالحديث عن مطاحن القرية ومعاصرها، مؤكدةً أنّ كرم أهلها كان لافتًا، إذ اعتادوا توزيع زيت الزيتون على المحتاجين قبل إدخاله إلى منازلهم.
وبعد استراحة قصيرة، استعادت الحاجة هدايا العادات والتقاليد التي كانت تسود في الأفراح، حيث يتمّ التشاور بإشراف كبير العائلة العم تقي الدين، وتقام الحفلات على وقع الرقص بالمناديل، وليالي الحنّة، وزفّة العريس، مع نثر النقود، فيما يتناول الأهالي أكلات القرية المشهورة، مثل المفتول والكبّة الترشحاوية التي لطالما تغنّى بها أبناء ترشيحا.
كما تحدّثت عن أجواء شهر رمضان، من أناشيد المسحّر أبو زكي عرّار:
«يا نايم وحِّد الدايم…»،
وصناعة الهريسة والمعمول، وانتقلت بالحديث إلى مختار القرية شفيق الجِشّة، الذي كان يضع طبيبًا حكيمًا في المضافة مجانًا لمداواة الأهالي، وعُرف بكرمه وحسن استقباله للضيوف.
وعند الحديث عن النكبة، سردت الحاجة روايةً موجعة عن فراق الأرض، بدءًا من اللحظة التي كانت ترقد فيها إلى جانب جدّتها، حين دوّى صوت ينادي:
«المروّة يا شباب… المروّة يا رجال»،
لتخرج العائلات إلى الجبال، وتندلع المعارك في محيط القرية، وتقصف الطائرات فوق رؤوسهم. وتحدّثت عن المجزرة التي وقعت عند جارهم الهوّاري، حيث استُشهد الأب والأم وأولادهم الثمانية. عندها اضطرت العائلة إلى مغادرة القرية تحت النار والخوف.
خرجوا أطفالًا حفاة، ساروا من ترشيحا إلى بنت جبيل، ثم إلى مدينة صور اللبنانية، يواجهون الجوع والتعب والبرد، حاملين الوطن في قلوبهم، من دون أن يعلموا أنّ الغياب سيطول. ومن هناك ركبوا قطار الحيوانات باتجاه سورية، ليحطّ بهم القطار في مدينة حلب – محطّة بغداد، حيث استقبلهم أهالي حلب بكرمٍ ومروءةٍ عالية، قبل أن يستقرّوا في البركس رقم 37.
أما عن العودة، فكان موقف الحاجة هدايا حاسمًا لا يلين، إذ قالت:
«لا، ما ببيع… أعوذ بالله»،
«أنا إلي أرض ليوم الأرض»،
«الأرض معادلة الرّوح»،
«الأرض معادلة العرض».
