عائلة الشهيد غسان كنفاني
من عكّا إلى حيفا ويافا… حكاية عائلة قبل أن يصير الاسم أيقونة

#هوية
حين يُذكر اسم غسان كنفاني، يتقدّم الشهيد الأديب إلى الواجهة، وتعلو صور الروايات والمواقف والكلمات التي صارت جزءاً من الوعي الفلسطيني. غير أن وراء هذا الاسم الذي تحوّل إلى أيقونة، تقف شجرة عائلة فلسطينية ضاربة الجذور في عكّا، تنقلت أغصانها بين حيفا ويافا قبل أن تقتلعها النكبة إلى المنافي.
تعود أصول العائلة إلى الجد عبد الرزاق كنفاني في عكّا، ومن أبنائه محمد فايز، صبحي، أحمد زكي، شفيق ونجية. ويرتبط بهذا الجيل أيضاً الشيخ إبراهيم كنفاني، ابن العم الأكبر للجد عبد الرزاق، والذي يمثل فرعاً أساسياً من العائلة في عكّا وحيفا. وفي هذا السياق يبرز اسم أحمد زكي كنفاني، عمّ غسان، الذي عقد قرانه في عكّا عام 1935، في صورة تعكس استقرار العائلة وحضورها الاجتماعي قبل العاصفة.
كان محمد فايز كنفاني، والد غسان، محامياً تنقل بحكم عمله بين عكّا وحيفا ويافا. أقامت الأسرة في هذه المدن الساحلية، وبنت منزلاً في حي العجمي في يافا، كما سكنت بيتاً في حيفا مطلاً على البحر. في ثلاثينيات القرن الماضي كانت العائلة تقصد لبنان صيفاً لقضاء الإجازات، في حركة طبيعية بين الساحل الفلسطيني ولبنان، قبل أن يتحول هذا المسار ذاته بعد عام 1948 إلى طريق لجوء قسري.
بعد النكبة تبدلت الأحوال كلياً؛ غادرت الأسرة فلسطين، ومرت بلبنان ثم استقرت في دمشق، حيث عاشت سنوات قاسية أعادت تشكيل مسارها الاجتماعي والمهني. الرجل الذي كان محامياً وجد نفسه يعمل في سوق الهال، وساهمت الأم بالخياطة في إعالة الأسرة، بينما جمع الأبناء بين الدراسة والعمل في بيئة لجوء صعبة.
ومع ذلك، بقي بيت العائلة في حيفا شاهداً على تلك المرحلة؛ بيتٌ مطلّ على البحر، ما تزال جدرانه وبلاطه يحملان أثر العائلة قبل التهجير. من شرفته يمكن تخيّل الليالي التي اجتمعت فيها الأسرة تتسامر وتنظر إلى البحر، قبل أن تتفرق في المنافي. المكان ذاته يستدعي في الذاكرة أعمال غسان، التي عادت إلى حيفا بالكلمات بعد أن غادرها الجسد.
وُلد غسان في عكّا عام 1936، وهو الوحيد بين إخوته الذي أبصر النور فيها. درس في يافا، وعاش اللجوء في دمشق، وعمل مدرساً في الكويت، قبل أن يستقر في بيروت حيث اغتيل عام 1972 في عملية استهدفته وأدت إلى استشهاده مع ابنة أخته لميس نجم، ابنة شقيقته فايزة، التي برز اسمها من العائلة شهيدةً إلى جانبه. تزوّج غسان من آني هوفر، وأنجب فايز وليلى، ليبقى امتداد الاسم حاضراً في جيل جديد.
أما إخوته فقد توزعوا في مجالات متعددة؛ فكان مروان كنفاني عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني الأول، وعدنان كنفاني مهندساً وعضواً في اتحاد الكتّاب العرب، ونعمان كنفاني اقتصادياً بارزاً في قضايا التنمية والسياسات الاقتصادية الفلسطينية، إلى جانب حسان وفايزة وغيرهما من أبناء العائلة الذين حملوا الاسم في مسارات مهنية وثقافية متعددة.
هكذا تبدو شجرة كنفاني: جذر في عكّا، بيت في حيفا، منزل في يافا، ثم منفى في دمشق وبيروت والكويت. ليست حكاية أديب فحسب، بل سيرة عائلة فلسطينية كاملة تختصر انتقال الساحل الفلسطيني من حياة مستقرة نابضة إلى شتات مفتوح على العالم.
وما كُتب هنا ليس إلا خطوة أولى في جمع شجرة العائلة وتاريخها، وهو جهد يحتاج إلى استكمال بمزيد من البحث والتعاون ممن يملكون وثائق أو روايات إضافية. فتوثيق تاريخ عائلاتنا ليس عملاً أرشيفياً فحسب، بل هو واجب وطني يحفظ الذاكرة ويصون الجذور للأجيال القادمة

عبد الرزاق كنفاني وأبنائه محمد فايز - زكي - شفيق وصبحي.

الشيخ ابراهيم كنفاني ابن العم الأكبر للجد عبد الرزاق كنفاني

غسّان كنفاني وابناه فايز وليلى