### ضمن سلسلة توثيق شهود النكبة.. مندوب «هوية» يلتقي الدكتور ناجي معلا ويوثق ذاكرة قرية لفتا
في إطار جهود **مؤسسة هوية** في توثيق الذاكرة الفلسطينية وحفظ روايات شهود النكبة، زار مندوب المؤسسة في الاردن ، يوم **الأربعاء 19 آب/أغسطس 2026**، الدكتور **ناجي ذيب صالح معلا**، الكاتب والباحث ومؤلف كتاب *«لفتا الياقوتة المقدسة»*، في منزله، حيث استمع إلى شهادته حول قرية **لفتا، قضاء القدس**، التي وُلد فيها عام 1947، وما تناقله عن والده وكبار السن من أبناء القرية.
استهل الدكتور معلا حديثه بوصف لفتا، موضحًا أنها كانت تتألف من **حارتين: الحارة الفوقا والحارة التحتا**، وتبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن باب المغاربة في القدس. وكانت معظم بيوت القرية مبنية من الحجر المستخرج من أراضيها، في مشهد عمراني يعكس طبيعة المكان وارتباط السكان بأرضهم.
وأشار إلى أن أهالي لفتا أولوا التعليم اهتمامًا كبيرًا، فكانت في القرية مدرسة حتى الصف السابع، بينما كان الطلاب يتابعون دراستهم في مدارس القدس. كما كانت القرية تضم سوقًا يوفر حاجيات السكان، إلى جانب عدد من البقالات والدكاكين.
ولفت الدكتور معلا إلى النشاط الاجتماعي والرياضي في القرية، حيث كان فيها **نادي رياضي**، وكان الأستاذ **محمد ربيع** مسؤولًا عن الرياضة والكشافة. ولم يقتصر دور المجموعة الكشفية على النشاط الرياضي، بل كانت تشارك في خدمة المجتمع ومساعدة الأهالي في مواسم الحصاد وتلبية احتياجاتهم المختلفة.
# المحاجر والزراعة والتجارة.. حياة اقتصادية متكاملة
وعن الحياة الاقتصادية، أوضح أن المهن الأساسية لأهالي لفتا ارتبطت بـ**المحاجر وصناعة الشيد**، إلى جانب التجارة والزراعة.
وكانت **الحارة التحتا** تشتهر بينابيع المياه، الأمر الذي ساعد على انتشار البساتين والأشجار المتنوعة، وأضفى على القرية طبيعة غنية جعلتها واحدة من القرى المميزة في محيط القدس.
### مجزرة مقهى صالح عيسى.. ذاكرة الخروج
وتوقف الدكتور معلا عند إحدى الروايات التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبناء القرية، وهي حادثة وقعت في **مقهى صالح عيسى**، حيث كان عدد من أبناء القرية يجلسون في المقهى عندما وصلت سيارة جيب تابعة للقوات الصهيونية، وفتح من فيها النار على الجالسين، ما أدى إلى مقتل عدد منهم، ومن بينهم **الحاج جودة شنك**، وفق الرواية التي نقلها الدكتور عن والده وكبار أبناء القرية.
وأضاف أن هذه الحادثة كانت من أبرز الأسباب التي دفعت أهالي لفتا إلى مغادرة قريتهم، في ظل أجواء الخوف التي رافقت النكبة.
وتحدث الدكتور معلا عن رحلة اللجوء التي عاشتها عائلته، موضحًا أنهم خرجوا باتجاه **بيت محسير**، ثم **بيت عطاب**، ومنها إلى **بيت لحم**، قبل أن يصلوا إلى **عمّان**، حيث أقاموا في منطقة التاج حتى عام 1955، ثم عادوا إلى **رام الله** وبقوا فيها حتى عام 1965.
# من لفتا إلى الأكاديمية.. ومن الذاكرة إلى الكتاب
استعاد الدكتور ناجي معلا بعد ذلك مسيرته العلمية، موضحًا أنه أكمل دراسته الجامعية في القاهرة، ثم حصل على درجة الماجستير، وعمل في **الجامعة الأردنية**، قبل أن يُبتعث إلى الولايات المتحدة الأميركية للحصول على درجة الدكتوراه.
وخلال مسيرته العلمية، ألّف عددًا من الكتب في تخصصه، إلا أن زيارته الأخيرة إلى مسقط رأسه **لفتا** أعادت فتح أبواب الذاكرة، ودفعته إلى مشروع توثيقي خاص بالقرية، أراد من خلاله أن يحفظ ما بقي من تاريخها للأجيال القادمة.
فجاء كتابه **«لفتا الياقوتة المقدسة»**، جامعًا بين التراث والمرويات الشفوية، والحضارة، ونضال أهالي القرية، وتاريخها ومعالمها، وقصة اللجوء. كما ضم الكتاب **روايات 26 شاهدًا وشاهدة من أبناء لفتا**، لتبقى شهاداتهم جزءًا من الذاكرة الفلسطينية المكتوبة.
إن لقاء الدكتور ناجي معلا يمثل نموذجًا مهمًا من نماذج **الذاكرة الفلسطينية الحية**؛ فلفتا التي غادرها أهلها قسرًا لم تغادر ذاكرتهم، وما بقي من تفاصيل بيوتها وينابيعها وبساتينها ومدرستها وأسواقها وحكايات أهلها، يتحول اليوم إلى شهادة تحفظ للأجيال القادمة صورة قرية فلسطينية نابضة بالحياة قبل النكبة
