شاهد على النكبة من مواليد صفورية عام 1943 | مخيّم عين الحلوة – حي صفورية
ضمن فعاليات المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، واصلت مؤسسة «هويّة» جهودها في توثيق شهادات أبناء الشعب الفلسطيني، وحفظ الرواية الشفوية للأجيال القادمة، من خلال لقاءات مباشرة مع شهود النكبة وأبنائهم وذويهم.
وفي هذا السياق، توجّه فريق مؤسسة «هويّة»، يوم الجمعة 15 آب/أغسطس 2026، إلى منزل الحاج أحمد إبراهيم سليمان في مخيّم عين الحلوة – حي صفورية، وذلك بعد التنسيق المسبق مع نجله وتحديد موعد الزيارة عقب صلاة الجمعة.
وكان الحاج أحمد في استقبال فريق المؤسسة برفقة زوجته وأبنائه، حيث جرى الترحيب بالفريق، ثم جلس الجميع لفترة قصيرة للتعارف، قدّم خلالها فريق «هويّة» تعريفًا بالمؤسسة وبالمشروع الوطني وأهدافه، وأهمية حفظ الذاكرة الفلسطينية وتوثيقها للأجيال القادمة، ولا سيما الأبناء والأحفاد، بما يسهم في الحفاظ على الأرشيف الفلسطيني وصون تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد في قراهم وبلداتهم قبل النكبة.
ورغم وضعه الصحي وضعف سمعه، أصرّ الحاج أحمد على المشاركة في التوثيق، وكان صوته حاضرًا وقويًا، محمّلًا بالحنين والحب لصفورية والوطن. وقبل البدء بتوثيق شهادته الشفوية، عمل الفريق على جمع المعلومات الخاصة بشجرة عائلته وأنسابها، حرصًا على حفظ تسلسل العائلة وعدم ضياع أسماء الآباء والأجداد مع مرور الزمن.
وخلال شهادته، عرّف الحاج أحمد بنفسه، وتحدث عن والده الذي كان يعمل مزارعًا ويمتلك نحو 300 دونم في صفورية، مستعيدًا صورًا من طفولته وذكرياته في القرية، حيث كانت الأسرة تعيش في بيت متواضع، إلا أن بساطته لم تمنع أن يكون مليئًا بالدفء والحنان والمحبة بين أفراد العائلة.
كما استذكر الحاج أحمد عددًا من العائلات التي كانت تقيم في صفورية، ومن بينها عائلات علاء الدين، وموعد، وعيسى، وكنعان، والخطيب، مستعيدًا بذلك جانبًا من النسيج الاجتماعي والحياة اليومية التي كانت تجمع أبناء القرية قبل النكبة.
وعن رحلة اللجوء، روى الحاج أحمد أن العائلة خرجت من صفورية باتجاه سخنين وعرابة، وكانت خالته تحمله على كتفها خلال رحلة النزوح، قبل أن تنتقل العائلة إلى بنت جبيل في لبنان، حيث مكثوا فترة من الزمن، وكان والده في ذلك الوقت مريضًا، ثم استقرت الأسرة لاحقًا في مدينة صيدا ومخيّم عين الحلوة.
الحنين إلى صفورية وذاكرة الوطن
وبين تفاصيل الشهادة، بدا الحنين إلى صفورية حاضرًا بقوة في حديث الحاج أحمد، فلم تكن القرية بالنسبة إليه مجرد مكان غادره قسرًا، بل بقيت وطنًا يسكن الذاكرة والوجدان، بكل ما تحمله من ذكريات الطفولة والأهل والبيت والأرض. ورغم مرور عقود طويلة على النكبة، بقيت صورة صفورية حاضرة في ذاكرته، تؤكد أن المكان قد يغيب عن العين، لكنه لا يغيب عن القلب.
وعندما سأل فريق «هويّة» الحاج أحمد عن العودة إلى صفورية، جاءت إجابته عفوية ومعبّرة عن تمسّكه بالوطن وكرامة الإنسان، فقال:
«الواحد بحب بلده، وبدي أرجع إلى بلدنا. العيشة ببلدنا أفضل من الغربة. لا أرضى بالفلوس على كرامة الواحد ببلده. ومهما أعطونا فلوس، الفلوس ما بتعطي كرامة. منعيش بخيمة أحسن من قصر. لو خيّرونا، كرامة الإنسان ببلده.»
وتختزل هذه الكلمات جانبًا عميقًا من الذاكرة الفلسطينية؛ فالوطن، في وجدان اللاجئ، ليس مجرد أرض أو بيت، بل هو الكرامة والانتماء والجذور والذكريات. ومن هنا تأتي أهمية توثيق هذه الشهادات، ليس فقط لحفظ ما تبقّى من ذاكرة جيل النكبة، وإنما لنقلها إلى الأبناء والأحفاد، حتى تبقى أسماء القرى والبيوت والأراضي والعائلات حاضرة في الوعي الفلسطيني.
وتؤكد مؤسسة «هويّة» من خلال هذا التوثيق استمرارها في جمع الرواية الشفوية الفلسطينية، وتوثيق شجرة العائلات وذاكرة القرى والبلدات، حفاظًا على الأرشيف الفلسطيني من الاندثار، وترسيخًا للحق في الأرض والعودة، وإيصال صوت جيل النكبة إلى الأجيال القادمة
