مؤسسة «هويّة» توثّق شهادة الحاجة نزهة محمد مغامس
من عكبرة: ذاكرة وطن لا تنطفئ وحق عودة
لا يقبل المساومة
حلب – مخيّم النَّيرب | الخميس 6 آب/أغسطس 2026
ضمن المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة،
واصل مندوب مؤسسة «هويّة» الأستاذ زياد غضبان جولته في مدينة حلب، التي تحتضن أبناء العديد من القرى والمدن الفلسطينية، موثقًا شهادات كبار السن وذكرياتهم عن الوطن ومسيرة اللجوء.
وفي هذا السياق، أجرى فريق المؤسسة مقابلة مع الحاجة نزهة محمد مغامس «أم علي غنّام»،
المولودة في عكبرة – قضاء عكّا عام 1942،
وذلك لتوثيق شهادتها عن قريتها وملامح الحياة فيها، إلى جانب مسيرة التهجير واللجوء التي عاشتها عائلتها عقب اقتلاعها من أرضها.
وجاء اللقاء، الذي جرى في منزل الحاجة الكائن في سوق مخيّم النَّيرب، بعد تنسيق مسبق معها، حيث استقبلت فريق المؤسسة بكل محبة وترحاب، واستعادت خلاله ذكريات طفولتها في فلسطين، وما بقي عالقًا في ذاكرتها من تفاصيل القرية وحياة أهلها وعاداتهم وتقاليدهم.
وفي مستهل اللقاء، قدّم فريق مؤسسة «هويّة» تعريفًا برسالة المؤسسة وأهدافها في حفظ الذاكرة الشفوية الفلسطينية وتوثيق جذور العائلات لأولادها وأحفادها وللأجيال القادمة، كما جرى تدوين شجرة عائلتها
ابتداءً من الحاجة نزهة ثم من جدها الأكبر نمر.
عكبرة في ذاكرة طفلة
استهلت الحاجة نزهة شهادتها بالتعريف عن نفسها قائلة إنها نزهة محمد مغامس، من مواليد عكبرة عام 1942، موضحة أنها غادرت فلسطين وهي في السادسة من عمرها تقريبًا، إلا أن سنوات طفولتها القليلة في الوطن تركت في ذاكرتها صورًا وتفاصيل ظلت حاضرة رغم مرور العقود.
وتحدثت عن منزل أسرتها، واصفةً إياه بأنه كان يتكوّن من غرفتين ودار كبيرة، مشيرة إلى أن والدها كان يمتلك عجلًا، ويعمل في زراعة القمح والشعير والعدس، ثم يبيع إنتاجه لأهالي مدينة صفد.
ومن بين ما بقي راسخًا في ذاكرتها، حديثها عن الصبّارة التي كانت تشتهر بها عكبرة، والتي كان الأهالي يستخدمونها في معالجة بعض المرضى، مؤكدة أن القرية كانت غنية بالعادات والتقاليد، وتضم مساجد ومضافة.
كما استذكرت الحاجة نزهة مشاهد الحياة اليومية في منزل أهلها، ومن بينها والدتها وهي تعجن الخبز كل صباح وتخبزه على الصاج والطابون، وهي تفاصيل صغيرة حملتها الذاكرة معها من فلسطين إلى مخيمات اللجوء.
وبسبب صغر سنها، لم تتمكن من الدراسة في مدارس عكبرة، لكنها احتفظت بملامح عامة عن قريتها وعائلاتها، ومن بينها عائلات ميعاري، مغامس، ساعد وغيرها.
وفي وصفها لعكبرة، كررت الحاجة عبارتها التي تختصر الكثير من ملامح قريتها، قائلة إنها كانت: «أم الزراعة والزيتون والصبّارة».
عادات وتقاليد لا تزال حاضرة في الذاكرة
وانتقلت الحاجة نزهة للحديث عن العادات والتقاليد التي كانت سائدة في عكبرة، فتوقفت عند الأعراس التي كانت تمتد من ستة إلى سبعة أيام، وتقام فيها مظاهر الفرح من طبل وزمر، إلى جانب الولائم وتبادل الطعام.
كما تحدثت عن الحياة الدينية في القرية، والالتزام بالصيام والصلاة خلال شهر رمضان، مستذكرة أجواء التكافل الاجتماعي التي كانت تجمع الأهالي، حيث كانت أطباق الطعام تُوزَّع بين البيوت قبيل أذان المغرب.
واستعادت كذلك أجواء السهرات التي تسبق العيد، وتحضير الحلويات الشعبية، ومنها أصابع زينب، مشيرة إلى فرحتها بقدوم العيد وتوزيع الحلويات صباحه في المقبرة، قبل أن يتوجه الأطفال إلى المراجيح التي كانت تُعلَّق بالحبال بين الأشجار.
كما أشارت إلى القرى المحيطة بعكبرة، ومن بينها الظاهريّة والجِشّ، وإلى عدد من الأكلات الشعبية التي اشتهرت بها المنطقة، وفي مقدمتها الكبّة بأنواعها المختلفة، ومنها النيّة والمشوية واللبنيّة.
أما عن لباس الأهالي، فأوضحت أن الرجال كانوا يرتدون الطاقية والحطّة والعقال والشروال، فيما كانت النساء يرتدين لباسًا طويلًا عاديًا ومكشكشًا.
من عكبرة إلى مخيم النَّيرب... رحلة اقتلاع وشتات
وعند وصول الحديث إلى مسيرة التهجير، بدت مرارة التجربة واضحة في استحضار الحاجة نزهة لطفولتها، حيث قالت إن اليهود ظهروا بالطائرات وبدأوا بإطلاق النار، الأمر الذي أثار الخوف بين الأهالي ودفعهم إلى الهروب والركض بحثًا عن النجاة.
وكانت الحاجة، لصغر سنها، تُحمل على الأكتاف أثناء رحلة النزوح، فتنتقل من أخ إلى أخت، ومن قريب إلى آخر، بينما كانت العائلة تمضي في طريق مجهول بعيدًا عن عكبرة.
وتروي أن العائلة واصلت سيرها حتى وصلت إلى بنت جبيل، ثم نُقلت بالقطارات، وكانت المحطة الأولى سراقب، حيث أقامت الأسرة نحو سنتين بسبب عمل والدها في الزراعة، قبل أن تنتقل إلى مخيم النَّيرب في حلب.
وهناك، كانت البداية في خيمة بيضاء نُصبت في ساحة الوكالة، لتفتح العائلة صفحة جديدة من حياة اللجوء، كما وصفتها الحاجة بعبارة مؤثرة: «وعينا على الأسى».
«هذا بيت أهلي»... حق العودة لا يقبل المساومة
وفي أكثر لحظات اللقاء تأثيرًا، تحدّثت الحاجة نزهة عن حقها في العودة إلى عكبرة، رافضةً بشكل قاطع فكرة التعويض المالي مقابل التخلي عن حقها في مسقط رأسها.
وعندما سُئلت عن موقفها من التعويض المالي، أجابت بحسم: «لأ، ما بتنازل عنه، هذا بيت أهلي».
وأضافت، في كلمات تختصر ارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه ووطنه: «هاي فلسطين، روحنا من الدنيا، زادنا، أرضنا»، مؤكدة أنها لو تحررت فلسطين فإنها ستعود إليها، قائلة: «إذا تحررت فلسطين، والله العظيم بروح».
وشددت على أن حق العودة ليس قضية قابلة للنسيان أو التنازل، قائلة: «حقي بالعودة حقنا، ما نسينا شي».
وتكشف هذه الكلمات، التي خرجت من ذاكرة طفلة عاشت النكبة ثم حملت فلسطين معها طوال عقود اللجوء، عن عمق العلاقة التي تربط أبناء الجيل الأول بأرضهم وقراهم، وعن استمرار الذاكرة الفلسطينية حيّة في وجدان الأجيال.
ذاكرة تحفظ الوطن للأجيال
وفي ختام المقابلة، رفعت الحاجة نزهة يديها إلى السماء، داعيةً الله تعالى أن يفرّج الهم، وينفّس الكرب عن أهلنا في فلسطين، وأن يكتب لهم الأمن والفرج والعودة إلى أرضهم.
وتأتي هذه الشهادة ضمن سلسلة اللقاءات التي تجريها مؤسسة «هويّة» في إطار المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية وتوثيق الذاكرة الشفوية لجيل النكبة، بهدف حفظ الرواية الشفوية، وتوثيق أسماء العائلات وشجراتها، واستعادة تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل النكبة، بما فيها القرى والبيوت والزراعة والعادات والتقاليد ومسارات اللجوء.
فما ترويه الحاجة نزهة اليوم ليس مجرد ذكريات شخصية من طفولة بعيدة، بل جزء من ذاكرة وطنية فلسطينية تُنقل من جيل إلى جيل، لتبقى عكبرة حاضرة في الوجدان، وليبقى حق العودة ثابتًا لا تمحوه سنوات اللجوء ولا تقادم الزمن.
