بسم الله الرحمن الرحيم
قصة فلسطيني في الشتات والغربة
اسمي عبدالله عبدالرحمن جودة. وُلدت وترعرعت مع أسرتي في قرية إسدود على الساحل الجنوبي لفلسطين، حيث يلامس البحر الأبيض المتوسط أراضي البرتقال والقمح، قبل أن يُغيّر الاحتلال اسمها إلى ميناء أشدود.
كنت في العاشرة من عمري، لكنني ما زلت أذكر ــ كأنني أراها الآن ــ صباحاتنا الهادئة ونحن نمشي إلى المدرسة، وبعد العصر نركض إلى ساحة القرية لنلعب ألعابًا بسيطة كانت تصنع لنا عوالم كاملة من البهجة. كنا نعود عند المساء بوجوه مغبرة من اللعب، لكن قلوبًا مشرقة بالضحك والسرور
وفي الأعياد، كانت القرية تتحول إلى لوحة من الفرح
أصوات التكبير مع الفجر، الأطفال بملابسهم الجديدة، ورائحة كعك العيد بزيت الزيتون تفوح من كل منزل. كنا نركب المراجيح، ونشتري الألعاب البسيطة التي كانت تبدو لنا كنوزًا. وكانت العلاقات بين الناس في القرية كأنها عائلة واحدة؛ الأبواب مفتوحة، والقلوب مطمئنة
كل شيء كان طبيعيًا… بسيطًا… آمنًا.
إلى أن جاء يوم 15 مايو 1948؛ يوم النكبة الذي غيّر حياتنا إلى الأبد.
في ذلك اليوم المشؤوم، انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين، وبدأ تنفيذ الوعود التي مُنحت للصهاينة.
أُدخلت مئات الآلاف من اليهود إلى فلسطين، أُقيمت لهم المستوطنات، وسُلّمت العصابات الصهيونية أسلحة كانت الجيوش تحتاج أشهرًا لجمع مثلها: مدافع، دبابات، وحتى طائرات.
أما أهل القرى فلم يكن بحوزتهم سوى بنادق صيد قليلة ومسـدسات بسيطة.
ثم صدر قرار تقسيم فلسطين على نحو ظالم من عصبة الأمم المتحدة
لليهود 56% وللعرب%44
كانت قريتنا ضمن الجزء الفلسطيني، ومع ذلك بدأ الصهاينة باحتلال القرى بالقوة، غير ملتزمين بأي حدود أو قرارات.
كانت مجزرة دير ياسين أول الصرخات التي وصلت إلى أسماعنا. قتل رجال ونساء وأطفال، ونساء حوامل تُبقر بطونهن. نجا عدد قليل لِيُخْبِروا القرى المجاورة ما حدث، وكانت شهاداتهم كافية لتزرع الرعب في قلب كل بيت.
جاءت الجيوش العربية، لكنها كانت قليلة العدد، ضعيفة التجهيز، وبعض أسلحتها فاسدة تنفجر بجنودها. وحين صدر قرار انسحابها، شعر الناس بالخيانة، إذ تُركت القرى فريسة سهلة لعصابات مدججة بالسلاح.
سقوط إسدود… والرحيل القسري
عندما وصل الهجوم إلى قريتنا، طلب الجنود من السكان التجمع في الساحة. كنت واقفًا بين الرجال والنساء والأطفال، أرى الخوف في عيون الجميع.
أخذوا الشباب والرجال الأقوياء إلى معسكرات الاعتقال، وأمروا الباقين بالعودة إلى منازلهم.
عدنا إلى بيتنا، وحفر والدي حفرة في جدار الغرفة، أخفى فيها ما نملك من ذهب ومال، وغطاها بالطين.
لكن في اليوم التالي، أحضر الجنود حافلات كبيرة وحاصروا القرية بالكامل. دفعونا دفعًا إلى الحافلات، ومنعوا والدي من العودة ليأخذ بعض الحاجيات.
ركبنا بالقوة، ولم نأخذ شيئًا من بيتنا… لا ثيابًا ولا طعامًا ولا ذكريات
رمونا على حدود قطاع غزة.
نزلتُ أنا ووالدي في جهة، وأمي وأخي الصغير في جهة أخرى. كان أخي يبكي حتى كاد صوته ينقطع. لم نلتق بهم إلا بعد أيام، وكأن الأيام تلك كانت سنوات.
سكنّا تحت شجرة كبيرة غطيناها بالشوادر. بضعة ملابس ممزقة وطعام قليل، وليل بارد لا يرحم.
كنت أنظر إلى الأطفال حولي، وأفكر في أصدقائي الذين كنا نلعب سوياً في ساحة إسدود… هل لا يزالون أحياء؟ هل هم جائعون الآن مثلنا؟
حتى ألعابنا لم تعد موجودة؛ كنا نصنع كرة القدم من الجرابات الممزقة، ونشكّل سيارات من الأسلاك وأغطية المشروبات الغازية
الحياة في الشتات… بداية الغربة
وصلت الأونروا ثم تولت هيئة الأمم المتحدة شؤون اللاجئين. أقامت الخيام، ووزعت الطعام، وأنشأت مدارس من الخيام. كنا نجلس على الأرض، بلا كتب ولا دفاتر، والمدرسون كانوا يعملون مقابل أكياس دقيق وسكر لأن الرواتب لم تكن موجودة.
كبرت في غزة، وتحملت مسؤولية دراسة نفسي، وتخرجت من معهد المعلمين. وعندما بلغت الثامنة عشرة، تعاقدت للعمل في السعودية.
عملت هناك سنتين، ثم اندلعت خلافات سياسية بين مصر والسعودية، وطُرد كل من يحمل وثيقة سفر مصرية، فعدت إلى مصر وعملت فيها ثلاث سنوات.
بعدها، سافرت إلى الكويت، وعملت مدرسًا لمدة خمسة وعشرين عامًا.
هناك تزوجت، وأنجبت ستة أبناء، وأكملت دراستي الجامعية في بيروت، وحصلت على ليسانس في اللغة العربية ثم ماجستير في التربية وعلم النفس من جامعة الكويت
لكن حتى هناك، كان للهوية ثمن
لم يُسمح لأولادي بالدراسة الجامعية في الكويت لأنهم “غير كويتيين فسافر ابني الأكبر وابنتي إلى سوريا لإكمال تعليمهم.
ولم يُسمح لي — ولا لأي فرد من عائلتي — بالعودة إلى فلسطين، لأننا لا نملك”حق العودة.
بعد حرب الخليج بين الكويت والعراق أجبرنا على المغادرة وذهبنا إلى اليمن التي فتحت لنا أبوابها وسمحت لنا بالعمل والعيش بكرامة
درس أبنائي الأربعة في جامعات صنعاء باليمن؛
كانوا جميعًا يحملون وثائق سفر مصرية للاجئين الفلسطينيين، وهو ما قيد خياراتهم المستقبلية في السفر والعمل، وجعل طريقهم أصعب بكثير من أقرانهم. لكنهم — رغم كل تلك القيود — صبروا واجتهدوا، وتمكنوا من النجاح وشق طريقهم في الحياة.
أصبح ابني الأكبر مهندسًا ويحمل الجنسية الأمريكية
وابنتي الثانية مدرسة رياضيات وتحمل الجنسية الكندية
والثالثة صيدلانية تحمل الجنسية الأردنية
، والرابع طبيبًا أخصائيًا في الأشعة ويحمل الجنسية العراقية
والخامسة ما زالت تحمل الوثيقة المصرية ولم تجد عملاً حتى الآن بسبب قوانين العمل في الأردن التي لا تسمح لغير المواطنين بالعمل
أما السادسة طبيبة استشارية في تخصصها وتحمل الجنسية البريطانية. وهي اليوم جالسة بينكم، الدكتورة سُهى وزوجها الدكتور
ومع كل هذا التنوع في الجنسيات، فإن الحقيقة المؤلمة بقيت كما هي
ليس لأي منهم وطن حقيقي يعود إليه.
لقد علّمتني الحياة بالدليل القاطع أن من لا وطن له… لا قيمة له بين الأمم.
عشنا في اليمن ثلاثة وعشرين عامًا. كانت من أكثر الدول التي استقبلت الفلسطينيين بحب واحترام، وظللت أعمل فيها مدرسًا للغة العربية حتى بلغت السبعين. لكن عندما اندلعت الحرب هناك، اضطررنا لمغادرة اليمن مرة أخرى، وانتقلنا إلى الأردن.
وفي الأردن — كما في كل محطة من محطات الشتات — لم يُسمح لي بالعودة إلى فلسطين.
مضت خمسون سنة دون أن أرى أخي الوحيد. خمسون سنة من الفراق الذي لا يلتئم.
أقمنا في الأردن عشر سنوات، تتجدد إقامتي سنويًا بصفتي تابعًا لابنتي الأردنية الجنسية. وفي تلك السنوات فقدتُ زوجتي رحمها الله. لكن حتى في لحظة وداعها الأخيرة، لم تستطع معظم بناتي وأبنائي الحضور للعزاء أو الدفن؛ فقد منعتهم وثائق السفر الفلسطينية من دخول الأردن.
كنت أنا وابنتي في الأردن بلا عمل ولا مصدر دخل. كنا نعيش على المساعدات التي يرسلها أبنائي من الدول التي يقيمون فيها.
وكنت كلما نظرت حولي، أدرك أن النكبة لا تحدث مرة واحدة في حياة الفلسطيني… بل تتكرر بأشكال مختلفة، وترافقه كقدرٍ مكتوب.
ثم جاء يوم 7 أكتوبر 2023، ليعيد النكبة بكل تفاصيلها
هاجم الصهاينة قطاع غزة بأعتى الأسلحة، ودمروا البيوت فوق رؤوس أهلها، ومنعوا الماء والغذاء والدواء والكهرباء، وحتى الخيام ومواد الإغاثة لم يُسمح لها بالدخول.
ارتُكبت مجازر مروعة، وإبادة جماعية هدفها الوحيد تهجير أهل غزة من أرضهم.
ومع ذلك، صمد أهالي قطاع غزة.
تحملوا الجوع والخوف والبرد، وفضّلوا البقاء في وطنهم — ولو تحت خيمة ممزقة — على أن يذوقوا مرارة الشتات التي ذاقها آباؤهم وأجدادهم.
لقد تعلّموا من النكبة الأولى أن من يخرج من وطنه قد لا يعود إليه أبدًا، وأن من لا وطن له لا وزن له في هذا العالم.
وجاءت مشيئةُ الله تحمل بارقةَ أمل؛
أن تكون هذه الحرب القاسية — بكل ما فيها من ألمٍ ودمار — بدايةَ فجرٍ جديد،
وبوابةً لقيام الدولة الفلسطينية المنشودة، وعاصمتها القدسُ الشريف،
وانطلاقةً نحو تحرير المسجد الأقصى المبارك بإذن الله.
الدولة التي تضمُّ قطاع غزة والضفة الغربية،
والتي اعترف بها حتى الآن 158 دولة من دول العالم، من بينها أعظم القوى الدولية: الصين وروسيا وفرنسا،
وحتى بريطانيا ذاتها — صاحبةُ وعد بلفور المشؤوم —
تعترف اليوم بشعبٍ حاول الزمن أن يمحوه…لكنه بقي صامدًا، ثابتًا، لا ينحني إلا لخالقه.
