| المقال |
المناضلة عفيفة فرح حنا بنورة
اعتقال دام ١٠ سنين وإبعاد لا زال مستمراً منذ ١٧ سنة
**
الجيل الجديد من أبناء بيت ساحور لا يعرفون عفيفة بنورة فقد اعتقلتها سلطات الاحتلال عام 1969، وبقيت في السجن إلى ان أبعدت في عام 1979، أي ان الذي يقل عمره عن ٢٧ سنة لم يكن قد ولد عندما غُيبت عفيفة عن بيت ساحور.
**
الطفولة
ولدت عفيفة في منزلها في قلب بيت ساحور عام ۱۹۳۸ - والدها المرحوم فرح ووالدتها مريم ولا زال منزلها وغرفتها بانتظار عودتها التي طالت كثيراً.
كجميع أطفال بيت ساحور فان عفيفة التحقت للدراسة في المدرسة القريبة من بيتها وهي المدرسة الانجيلية اللوثرية حيث درست إلى أن أنهت الصف السادس، ثم درست الصف السابع في مدرسة بنات بيت لحم الحكومية.
**
التفوق في دراسة التمريض
ولم يكن بالإمكان الاستمرار في الدراسة الاعدادية بسبب الظروف الاقتصادية القاهرة، ولكنها فيما بعد توجّهت لدراسة التمريض والتوليد في مدرسة القبالة الاردنية في الأشرفية في عمان. استمرت الدورة سنتان ونصف وقد تفوقت في دراستها وكانت الأولى في هذه الدورة. تخرجت من المدرسة عام 1960، لتبدأ عفيفة مشوار العمل في وقت كانت القلة من الاناث من تجرؤ على التعلّم والعمل والاغتراب في ذلك الوقت.
**
العمل والتنقل
بدأت عفيفة عملها في مركز الأمومة والطفولة في الخليل حيث كان عمرها آنذاك ٢٢ عاماً، وتتعرّف عفيفة في هذه الفترة على التيارات السياسية التي كانت سائدة آنذاك، وتختزن معاناتها الاجتماعية والسياسية وتنتقل من موقع إلى آخر وتشاهد عن قرب ما يعانيه شعبها سواء من جراء التهجير عام 1948 أو التخلف الناجم عن الفقر والاضطهاد. وتنتقل عفيفة خطوة أخرى في عملها من خلال تدريب القابلات في نابلس وجنين وسلفيت وبرقة وسيلة الحارثية، وأخيراً تستقر في مركز بتير الذي استمرت بالعمل فيه حتى يوم اعتقالها في 22-10-1969.
**
الاعتقال وتوجيه الاتهامات
عن اعتقالها تقول عفيفة دخلت مجموعة من المدنيين على المركز الطبي وطلبوا مني المساعدة في تضميد جراح بعض الجرحى حيث تدهور الباص الذي يقلهم على طريق الخضر - بيت جالا، وذهبتُ لأقوم بواجبي الانساني بلباسي الأبيض وأدوات الاسعاف الأولي، وإذ بي أفاجاً بأن السيارة التي تقلني تعج بالمسلحين من المخابرات الاسرائيلية، ولا داعي للاستنتاج فقد كانت هذه الطريقة هي إحدى الحيل الاسرائيلية للقبض على المناضلين بهدوء. عندما وصلنا بعد ربع ساعة إلى مركز المخابرات في بيت لحم بدأ التحقيق حيث وُجهت لي عدة تهم منها عسكري مثل القيام بعمليات عسكرية ضد جنود الاحتلال، ومنها سياسي تنظيمي ومنها مساعدة فدائيين وإسعاف فدائيين جرحى والانتماء للجبهة الشعبية القيادة العامة. لم تكن المحاكم الاسرائيلية بحاجة لشرعية من أحد لتصدر عليّ حكمها بالسجن المؤبد مدى الحياة سواء كان هناك اعتراف ام لا.
وتبدأ عفيفة رحلة السجن من البصة إلى المسكوبية حيث لاقت أصناف التعذيب التي يتفنن الاسرائيليون في ابتداعها. ومن المسكوبية نُقلت عفيفة إلى سجن نابلس وبقيت هناك حتى صدور الحكم بالسجن المؤبد في كانون أول من عام 1970 أثناء الاحتفال بعيد الميلاد المجيد.
**
سجن الرملة
وبينما كانت أجراس كنيسة المهد تدق احتفالاً بميلاد المسيح، والرعاة يمجدون الله في العلى، والملائكة يبشرون بالسلام في الأرض كانت عفيفة تقبع في سيارة مغلقة تابعة لمصلحة السجون الإسرائيلية تنتقل في عتمة الليل إلى سجن الرملة حيث بقيت هناك حتى عام 1978.
تم نقل عفيفة (مع المناضلات مريم الشخشير ورسمية عودة وعايشة عودة) إلى سجن الرجال في غزة على إثر مشكلة مع إدارة السجن، حيث بقيت هناك لمدة ستة أشهر لتعود مرة أخرى الى. سجن النساء في الرملة.
**
عملية النورس
وتبدأ مفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين عام 1978 لإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين الفلسطينيين مقابل الافراج عن بعض الأسرى الإسرائيليين. وتنجح الجبهة الشعبية - القيادة العامة في إتمام عملية التبادل بنجاح عام 1978 وكانت عفيفة بنورة على رأس قائمة المحررين في عملية النورس، ومعها رفيقاتها رسمية عودة وعايشة عودة وعايدة سعد، وعلياء ابو دية إضافة إلى٧٠ مناضلاً من كافة الاتجاهات السياسية والتنظيمية.
تقول عفيفة: كانت الأولوية عند إدراج أسماء المناضلين المعتقلين في قائمة المحررين للبنات أولاً، ثم للمرضى، ثم لأصحاب الأحكام المؤبدة، وقد كنــا نتعاون جميعاً في وضع الأسماء. لقد كان الكثير من المعتقلين يضعون أسماء رفاقهم ويشطبون أسماءهم متحججين بظروف رفاقهم الصعبة وطول مدة سجنهم التي تنتظرهم أو بسبب صحتهم المتدهورة.
لقد كانت هذه الفترة للذين عايشوها في السجن من أكثر الأوقات التي لا يمكن للمرء أن ينساها أبداً، مليئة بالعواطف والأحداث، وتستحق هذه الفترة أن توثق لأنها تسجل التاريخ الفلسطيني بأسمى معانيه وأجمل أوقاته.
**
الحرية الناقصة
عندما حان وقت التبادل ركبنا الباصات إلى أحد المطارات وطـارت بنا الطائرة ونحن لسنا متيقنين بعد من عدم وجود خدع من الجانب الاسرائيلي، حيث كان الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي يعيشان هذه اللحظات على أعصابهما. وصلنا جنيف وتمت عملية التبادل برعاية الصليب الأحمر الدولي، وخلال دقائق كنا على متن طائرة أخرى توجهت بنا فوراً إلى ليبيا التي استضافتنا لمدة أسبوع حيث استقبلنا استقبالاً حافلاً، وتوجهنا بعد ذلك إلى دمشق حيث استقبلتنا الجماهير الفلسطينية والسورية
في المطار. تضيف عفيفة: لم توافق السلطات الاسرائيلية آنذاك على بقاء أي من المحررين داخل الوطن، وكنت أعيش لحظات من التناقض في المشاعر؛ فأنا أسعى للخروج من المعتقل من جهة، ومن جهة أخرى ارتبط هذا الخروج بالابتعاد عن الوطن. لقد وافقتُ على الخروج من المعتقل كحق من حقوقي، ولكني أبعدت عن وطني رغماً عني.
**
بانتظار العودة النهائية
أنا الآن أعيش بين أبناء شعبي الفلسطينيين الذين هُجروا من أوطانهم عام 1948 حيث يزيد عدد اللاجئين الفلسطينيين في دمشق وحدها عن ٤٠٠٠٠ نسمة، ومنذ وصولي إلى دمشق عام 1979 وأنا أقوم بعملي الانساني في خدمة أبناء شعبي بانتظار عودتنا جميعاً إلى فلسطين.
ثم تتساءل عفيفة: ما جدوى عملية السلام؟ فاللاجئون ما زالوا لاجئين، وأعدادهم تزداد وأوضاعهم تزداد سوءاً، والمبعدين الذين أبعدوا جماعات؛ يعود البعض منهم فرادى، والمئات من شعبنا يغادرون الوطن بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، والمستوطنات التي أقيمت فوق أرضنا تزداد عدداً، والمصادرات لا زالت مستمرة، بالإضافة إلى مصادرة مساحات جديدة لإقامة شوارع التفافية للمستوطنات، والقدس تتجه يوما بعد يوم نحو التهويد.
ان شعبنا في الداخل يعيش سجناً كبيراً، ويعيش حصاراً يزداد يوماً بعد يوم. لا أحد يعرف إلى أين يؤدي استمرار الظلم والقهر.
**
تقرير مجدي الشوملي، مجلة بيت ساحور العدد الثاني تشرين أوّل 1996
**

|
| Preview Target CNT Web Content Id |
|