فريق «هويّة» يوثّق شهادة شاهد النكبة الحاج برجس ديب حسن خليل حجير
أبو ضياء من طيرة حيفا
صيدا – مخيّم عين الحلوة – حيّ الطيرة | لبنان
شاهد النكبة: الحاج برجس ديب حسن خليل حجير
مواليد طيرة – قضاء حيفا عام 1940
في إطار جهود المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية «هويّة»، وحرصًا على توثيق الذاكرة الشفوية لشهود النكبة، أجرى فريق «هويّة» لقاءً توثيقيًا مع الحاج برجس ديب حسن خليل حجير، أحد أبناء قرية طيرة حيفا، مواليد عام 1940، والمقيم في مخيّم عين الحلوة – حيّ الطيرة في صيدا، لبنان، وذلك رغم ظروفه الصحية الصعبة.
وبعد التنسيق المسبق مع نجله، حفظه الله، جرى تحديد موعد اللقاء يوم الخميس عند الساعة الخامسة مساءً، حيث توجّه فريق «هويّة» إلى منزل الحاج برجس، وكان في استقبال الفريق نجله بكل ترحيب. وبعد التعريف بالمشروع وأهدافه، بدأ الفريق أولًا بجمع شجرة العائلة وتوثيق أسماء أفرادها، حفاظًا على الأنساب وصونًا لذاكرة العائلة من الضياع.
وبعد الانتهاء من توثيق شجرة العائلة، بدأ مندوب المؤسسة بتجهيز الكاميرا لتسجيل الشهادة بالصوت والصورة. واستهل الحاج برجس حديثه بالتعريف عن نفسه، ومواليده، وقريته طيرة حيفا، ثم انتقل في شهادته إلى الحديث عن تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في القرية قبل النكبة.
ذاكرة المكان والحياة في طيرة حيفا
استعاد الحاج برجس في شهادته صورة والده وحياته في القرية، مشيرًا إلى أن الأسرة كانت تعيش في بيت كبير وواسع، وأن والده كان يعمل في الزراعة، ومن أعماله الحصاد وحراثة الأرض.
كما تحدّث عن والدته ودورها في الحياة اليومية للأسرة، حيث كانت تخبز وتُعدّ الطعام في الفرن المنزلي، إضافة إلى جلب المياه من النبعة، مستعيدًا بذلك تفاصيل بسيطة من الحياة اليومية التي كانت جزءًا من ذاكرة أهل القرية.
وتطرّق الحاج برجس إلى عدد من عائلات طيرة حيفا، ومن بينها عائلات حجير وزيدان وسلمان، كما تحدث عن مختار البلدة الذي كان من دار عباس، وعن مضافته ومهامه ودوره في شؤون القرية وأهلها.
وفي سياق حديثه عن معالم طيرة حيفا، استعاد الحاج عددًا من الأماكن التي بقيت راسخة في ذاكرته، ومنها الجامع، والمنزول، والمدرسة التي درس فيها، إضافة إلى معصرة الزيتون التي كانت تملكها عائلة الربان، وبِبور الطحين، وينابيع المياه في القرية.
عادات وتقاليد وأفراح بقيت في الذاكرة
ولم تقتصر شهادة الحاج برجس على الأماكن والأسماء، بل حملت تفاصيل غنية عن العادات والتقاليد الفلسطينية التي كانت سائدة في طيرة حيفا.
فتحدث عن الأفراح التي كانت تمتد لأكثر من أسبوع، وما كان يُقدَّم للمدعوين من أطعمة، وعن الأهازيج الفلسطينية وعازف اليرغول، ودور الشبيبة في إحياء المناسبات.
كما استعاد لباس أهل القرية، الذي كان يتكوّن من الحطّة والعقال والقنباز والشروال، وتحدث عن الأعياد ومظاهر الاحتفال بها، وعن طهور الأطفال الذي كان مناسبة اجتماعية تُقام فيها الأفراح، إضافة إلى عادات التعازي في البلدة، والتي كانت تستمر ثلاثة أيام.
من طيرة حيفا إلى مخيّم عين الحلوة
وفي ختام شهادته، انتقل الحاج برجس إلى الحديث عن رحلة اللجوء والنكبة، مؤكدًا أن أهل البلدة خرجوا من قريتهم بعد ما وصفه بالمجازر التي ارتكبتها القوات الصهيونية بحق أبناء طيرة حيفا، مشيرًا إلى استشهاد أكثر من خمسين رجلًا وشابًا من أبناء القرية.
وقال إن رحلته مع والده ووالدته بدأت بالخروج من طيرة حيفا باتجاه الأردن، قبل أن ينتقل بعد فترة إلى لبنان، حيث كانت محطته الأخيرة في مدينة صيدا، مخيّم عين الحلوة، حيّ الطيرة، الذي استقر فيه منذ ذلك الحين.
«لا أرضى بالتعويض ولا بالتوطين»
وكانت اللحظة الأكثر تأثيرًا في اللقاء عندما سأل فريق «هويّة» الحاج برجس عن حقه في العودة إلى وطنه، وما إذا كان يقبل بالتعويض بدلًا من العودة.
عندها اغرورقت عيناه بالدموع، وغلبه الشوق والحنين إلى الأرض، قبل أن يقول:
«مَن يبع أرضه يبع عرضه. لا أرضى بالتعويض ولا بالتوطين. أريد العودة إلى قريتي التي وُلدت فيها، وأكلت من خيراتها، حيث قبور أجدادي. سنعود حتمًا بإذن الله، وهذه وصيتي لأولادي وأحفادي: تمسّكوا بأرض آبائكم وأجدادكم.»
وهكذا اختُتم اللقاء بشهادة إنسانية تختصر وجع اللجوء، وعمق الانتماء إلى الأرض، وإصرار الأجيال الفلسطينية على حفظ الذاكرة والتمسك بالحق في العودة.
ويؤكد المشروع الوطني للحفاظ على جذور العائلة الفلسطينية «هويّة» أن توثيق شهادات شهود النكبة لا يقتصر على تسجيل الأحداث، بل يشمل أيضًا حفظ أسماء العائلات، وأسماء الأماكن، والمعالم، والعادات والتقاليد، وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الفلسطينيون في قراهم ومدنهم قبل النكبة؛ لتبقى هذه الذاكرة حيّة، وتنتقل من جيل إلى جيل.
