عائلة عيد من عكا: حين تتجاوز الحكاية زوجة رئيس الوزراء
أسماء جبرايل عيد.. من عكا إلى دمشق

أسماء عيد - زوجة فارس الخوري
هويــــــة – 5/8/2026
في خريف عام 1909، جاءت فتاة من عكا إلى دمشق لتقضي بضعة أيام في ضيافة خالها. لم يكن في نيتها أن تطيل المكوث، ولا أن يتغير مسار حياتها بالكامل خلال تلك الزيارة القصيرة. لكن القدر رتّب لها لقاءً مع محامٍ شاب كان قد بدأ للتو يخطو أولى خطواته في العمل العام، هو فارس الخوري. تزوجا في شهر آب/أغسطس من ذلك العام، وتحولت الزيارة العابرة إلى استقرار دائم في دمشق دام أكثر من نصف قرن. تلك الفتاة هي أسماء جبرايل عيد، وذلك الشاب سيصبح لاحقاً رئيساً لمجلس النواب السوري ورئيساً للوزراء أكثر من مرة، أحد أبرز الأسماء في تاريخ سوريا السياسي الحديث.
الرواية المتداولة عن هذا اللقاء تصفه عادة بالمصادفة البحتة. لكن خال أسماء، المحامي أمين زيدان، كان شريك فارس الخوري في مكتب المحاماة قبل الزواج بسنوات، فحين جاءت أسماء لزيارته كانت تدخل بيتاً يعرفه فارس ويتردد عليه. وأم أسماء، ليا بنت يوسف زيدان، لم تكن عكّاوية كزوجها جبرايل عيد، بل وُلدت في صور بلبنان عام 1279هـ تقريباً. زواج أسماء من فارس، إذن، لم يكن التقاء غريبين تماماً، بل ثمرة شبكة علاقات عائلية ومهنية سبقت اللقاء نفسه.
عاشت أسماء إلى جانب فارس الخوري أكثر من خمسين عاماً، رأت خلالها زوجها يتولى حقائب وزارية عدة، ويرأس الحكومة والبرلمان، ويشارك في صياغة استقلال بلاده. ولم تكن حضوراً صامتاً في هذه المسيرة، فمع استقرارها في دمشق شاركت في تأسيس أندية أدبية وجمعيات إنسانية عُنيت برعاية جرحى الحرب ودعم المرأة. توفيت في دمشق عام 1969، بعد أن أنجبت لفارس الخوري ابنه الوحيد سهيل، الذي أصبح فيما بعد والد الأديبة السورية المعروفة كوليت الخوري، فامتد الأثر العكّاوي، عبر أسماء، إلى واحدة من أبرز الأصوات الأدبية في سوريا الحديثة.
لكن شهرة أسماء عيد، على اتساعها، ليست سوى النافذة الأشهر على عائلة أعرق وأوسع بكثير مما توحي به قصة الزواج وحدها. فعائلة عيد في عكا تمتد جذورها، بحسب ما تيسر توثيقه من سجلات النفوس العثمانية، إلى الجد الأعلى يوسف عيد، الذي أنجب ابنيه حنا ومخايل في الناصرة قبل أن تستقر العائلة نهائياً في عكا، حيث وُلد ابنه الثالث جبرايل، والد أسماء نفسها. من نسل هؤلاء الثلاثة خرج عدد من الأسماء التي ترك بعضها أثراً يمكن اقتفاؤه في صحافة ذلك الزمن، بين من امتلك أراضي وعقارات في عكا وما حولها، ومن مارس الطب، ومن كان له حضور اجتماعي وثقافي، إلى جانب نشاط اقتصادي متنوع يظهر أثره لمن يبحث في أرشيف تلك الحقبة.
جمع هذه الخيوط المتناثرة لم يكن عملاً سهلاً ولا سريعاً. استند البحث إلى مصادر متفرقة تعود إلى أزمنة مختلفة: سجل النفوس العثماني، وسجل إحصاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وأرشيف الصحف الفلسطينية الرقمي، إضافة إلى شهادات النعي المعاصرة التي لا تزال تُنشر حتى اليوم وتحمل بين سطورها خيوطاً تصل الحاضر بالماضي. من تقاطع هذه المصادر، وليس من مصدر واحد، تكوّنت صورة العائلة تدريجياً.
تستحق قصة عائلة عيد أن تُروى لا لأنها استثناء، بل لأنها على الأرجح نموذج لعشرات العائلات الفلسطينية التي تبعثرت أوراقها وذاكراتها بين النكبة والزمن، وبقيت خيوط تاريخها منثورة في سجلات متفرقة لم يجمعها أحد بعد. كل عام يمر يجعل هذا الجمع أصعب، مع رحيل من عاصروا الأجداد وتلاشي الوثائق الورقية الهشة. ولعل أفضل ما يمكن أن تفعله عائلة، أي عائلة، أن تبادر مبكراً إلى جمع ما تبقى من أوراقها وذاكرة كبارها، قبل أن يضيع الخيط الذي يصل الأحفاد بمن سبقوهم.
#هوية #عكا #عيد #وثيقة #دمشق